
تتواصل في الآونة الأخيرة المواقف السياسية التي تنتقد خيارات بعض الدول في المنطقة، وعلى رأسها إيران، حيث يُحمَّل جزء كبير من المسؤولية لمؤسساتها السيادية، ومن بينها الحرس الثوري الإيراني، في ما يتعلق بالأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية.
غير أن هذه القراءة، رغم ما تحمله من وجاهة في بعض جوانبها، تبدو في كثير من الأحيان أحادية الزاوية، إذ تغفل سياقًا إقليميًا ودوليًا معقدًا، تتحرك فيه الدول وفق حسابات تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية البحتة.
في الواقع، لا يمكن فصل ما يُوصف بـ“التوسع” أو “الانخراط في صراعات خارجية” عن منطق الأمن القومي، خاصة في منطقة تعيش على وقع توترات مزمنة وتوازنات هشة. فالدول، في مثل هذه البيئات، لا تتحرك دائمًا بمنطق الربح الاقتصادي المباشر، بل بمنطق الردع الاستراتيجي ومنع نقل التهديدات إلى الداخل.
وبالعودة إلى مسألة العقوبات، فإن تحميلها بالكامل للخيارات الداخلية يُعد تبسيطًا مخلًا، إذ ترتبط هذه الإجراءات أيضًا بصراع نفوذ مع قوى دولية كبرى، تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وهو ما يجعل من “العزلة” أحيانًا نتيجة صراع إرادات أكثر منها نتيجة قرارات منفردة.
اقتصاديًا، ورغم الضغوط، أظهرت التجربة الإيرانية قدرة نسبية على الصمود، من خلال التوجه نحو الاقتصاد الداخلي وتنويع الشراكات، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى دقة الطرح الذي يربط بشكل مباشر بين الأيديولوجيا والانهيار الاقتصادي.
في المقابل، يرى أنصار ما يُعرف بـ“محور المقاومة” أن هذه الخيارات تمثل حاجزًا أمام الهيمنة الخارجية، وتندرج ضمن رؤية تعتبر أن الاستقرار لا يتحقق فقط عبر الانفتاح، بل أيضًا عبر امتلاك عناصر القوة والقدرة على التأثير في المعادلات الإقليمية.
في هذا السياق، تبدو الدعوات إلى الفصل التام بين السياسة والهوية أو بين الدولة والعقيدة، محل نقاش، خاصة في مجتمعات ما تزال تلعب فيها العوامل الثقافية والدينية دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجماعي.
ختامًا، لا يمكن إنكار أن الخيارات الاستراتيجية لأي دولة تحمل كلفة، لكن اختزال المشهد في ثنائية “خطأ أو صواب” يظل قاصرًا عن فهم واقع شديد التعقيد. فالدول لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو، بل أيضًا بقدرتها على حماية سيادتها وصياغة موقعها في عالم متغير.
وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح والصراعات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تُبنى الدول فقط بالاقتصاد، أم أن للسيادة ثمنًا لا مفر من دفعه؟
مقال رأي : عماد كتار الطنفوري



