
يتجه المغرب إلى تعزيز حضوره في سوق الطاقة الأوروبية عبر إطلاق وتطوير مشاريع ربط كهربائي استراتيجية مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا، إلى جانب دراسة مشروع جديد مع البرتغال، في خطوة تهدف إلى ترسيخ مكانته كمحور إقليمي للطاقة المتجددة وبوابة رئيسية لتزويد أوروبا بالكهرباء النظيفة.
وتأتي هذه المشاريع في ظل توجه أوروبي متزايد نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة بعد التحديات الجيوسياسية التي أعادت ملف أمن الطاقة إلى صدارة الأولويات داخل الاتحاد الأوروبي.
“قنطرة المتوسط”.. مشروع استراتيجي بين المغرب وفرنسا
أعلن المغرب وفرنسا إطلاق طلب لإبداء الاهتمام بمشروع الربط الكهربائي المباشر بين البلدين، المعروف باسم “قنطرة المتوسط”، والذي يهدف إلى نقل الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة في المغرب نحو فرنسا، ومنها إلى بقية الأسواق الأوروبية.
وجاء الإعلان عقب اجتماع رفيع المستوى بالعاصمة الرباط، حيث أكد رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، أن المشروع يمثل محطة جديدة في مسار التعاون الطاقي بين البلدين، ويساهم في ربط السوق المغربية بالشبكة الكهربائية الأوروبية.
ويعد المشروع امتدادًا للشراكة الاستراتيجية التي أطلقها البلدان في قطاع الطاقة عقب الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب سنة 2024.
استثمارات متنامية في الطاقة المتجددة
يعتمد المشروع على التطور الذي يشهده قطاع الطاقات المتجددة في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وأبرز الأرقام المسجلة:
- ترخيص مشاريع شمسية وريحية بقدرة تقارب 6 جيغاواط منذ سنة 2021.
- استثمارات تجاوزت 55 مليار درهم.
- تراخيص جديدة خلال الربع الأول من سنة 2026 بقدرة تقارب 3000 ميغاواط واستثمارات تناهز 22 مليار درهم.
- ارتفاع مساهمة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية للمملكة من 37% سنة 2021 إلى 46% سنة 2025.
- استهداف بلوغ 52% من القدرة الكهربائية من مصادر متجددة بحلول سنة 2030.
كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية نمو إنتاج الكهرباء المتجددة بالمغرب بمعدل سنوي يناهز 8.5% إلى حدود سنة 2030.
“سيلا أتلانتيك”.. أطول كابل كهربائي بحري في العالم
بالتوازي مع المشروع الفرنسي، يبرز مشروع “سيلا أتلانتيك” الذي يربط المغرب وألمانيا عبر كابلين بحريين للتيار المستمر عالي الجهد يمتدان على نحو 4800 كيلومتر، ليصبح أطول مشروع ربط كهربائي بحري عابر للقارات في العالم.
ويهدف المشروع إلى تزويد ألمانيا بما يصل إلى 5% من احتياجاتها السنوية من الكهرباء اعتمادًا على محطات للطاقة الشمسية والرياح بالمغرب بطاقة إنتاجية تبلغ 15 جيغاواط.
وتقدر كلفة المشروع بنحو 30 مليار دولار، تشمل محطات الإنتاج والبنية التحتية الخاصة بخطوط النقل.
مفاوضات مستمرة بشأن المشروع الألماني
ورغم الأهمية الاقتصادية للمشروع، فإن تنفيذه لا يزال يواجه بعض التحديات المرتبطة بالمفاوضات بين الجانبين المغربي والألماني.
وتتمحور أبرز النقاط المطروحة حول:
- إبرام اتفاق حكومي طويل الأمد يضمن استمرارية المشروع.
- اعتماد ربط كهربائي يسمح بتبادل الطاقة في الاتجاهين، وليس التصدير فقط.
- استكمال الاتفاق بشأن الأراضي المخصصة لمحطات الإنتاج والبنية التحتية.
تعزيز الربط مع إسبانيا والبرتغال
يواصل المغرب أيضًا تطوير شبكة الربط الكهربائي مع أوروبا، إذ يشغل حاليًا خط الربط الكهربائي الوحيد بين إفريقيا وأوروبا عبر إسبانيا، والذي ساهم في دعم الشبكة الإسبانية خلال انقطاع كهربائي واسع العام الماضي.
كما تشمل المشاريع المستقبلية:
- إنشاء خط ربط جديد مع إسبانيا بقدرة 700 ميغاواط.
- دراسة مشروع ربط كهربائي مع البرتغال باستثمارات قد تصل إلى 735 مليون يورو.
- إدراج عدد من هذه المشاريع ضمن برنامج “تي-ميد” الأوروبي الذي يهدف إلى تعبئة استثمارات تصل إلى 25 مليار يورو لدعم مشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية العابرة للحدود.
المغرب يعزز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة
يرى مختصون أن هذه المشاريع من شأنها أن تعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للطاقة النظيفة، عبر استقطاب مزيد من الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، وتنويع صادرات المملكة، في مقابل استفادة الدول الأوروبية من مصدر مستقر وقريب للكهرباء المتجددة، بما يعزز أمنها الطاقي ويدعم مسار الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر.



