
في غمرة النقاشات الحادة التي تشغل الشارع التونسي، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومقاهي العاصمة والمدن الحدودية حول ملف الهجرة، يظل السؤال اللغز: كيف يصل هؤلاء إلى هنا؟ ومن يحرك خيوط هذه الرحلات الماراثونية العابرة للقارات؟
اليوم، نرفع الستار عن أحدث البيانات والتقارير الميدانية الحصرية الصادرة عن « مركز الهجرة المختلطة »أم أم سي لشهر جوان 2026، لنكشف بالأسماء والأرقام والمسارات، تفاصيل « العلبة السوداء » لرحلة العبور نحو تونس. إنها ليست مجرد قصة سفر، بل هي شبكة معقدة من التعتيم المعلوماتي، وتجارة التهريب الدولية، والاضطرابات الإقليمية التي تنتهي جميعها على حدودنا.
1. الفخ الصامت: 84% يدخلون تونس بلا فكرة عن قوانينها!
المفاجأة الصادمة الأولى التي يفجرها التحقيق تتعلق بـ »الجهل التام بالقوانين ». هل كنت تظن أن المهاجر الذي يصل إلى تونس يمتلك خريطة واضحة لحقوقه وواجباته؟ الحقيقة المرعبة هي لا.
تؤكد البيانات أن 84% من المهاجرين الذين دخلوا تونس لم تكن لديهم أدنى فكرة عن القوانين واللوائح التونسية المنظمة للدخول والإقامة قبل انطلاقهم. هذه النسبة المرتفعة ترتفع لتصل إلى 88% بين المهاجرين النيجيريين.
نحن أمام آلاف الأشخاص الذين يتحركون في « عتمة معلوماتية كاملة »؛ حيث أفاد 99% منهم بأنهم واجهوا فجوات ونقصاً حاداً في المعلومات خلال رحلتهم. المهاجر هنا لا يقرأ قانون الأجانب التونسي، بل يقع ضحية لـ »شائعات » يروجها المهربون أو « بريق زائف » عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي تؤثر في قرار 32% منهم.
2. من القرن الإفريقي وغربها.. ديموغرافيا « العينة العمدية »
إذا قمت بجولة في شوارع العاصمة أو مدن الجنوب والساحل، ستلاحظ تبايناً في ملامح وجنسيات الوافدين. لغة الأرقام تفكك هذا التوزيع بدقة:
- صدارة نيجيرية: المهاجرون القادمون من نيجيريا (عملاق غرب إفريقيا) يشكلون 34% من إجمالي المهاجرين.
- المد الإثيوبي: القادمون من إثيوبيا (القرن الإفريقي) يلاحقونهم بنسبة 28%.
- بقية الخارطة: تتوزع النسب المتبقية بين الكاميرون (7%)، إريتريا (5%)، وسيراليون (4%)، إلى جانب 20 جنسية أخرى.
لكن المثير للانتباه هنا هو أن نصف هؤلاء المهاجرين (50%) هم من فئة الشباب الساذج واليافع: أعمارهم 27 عاماً أو أقل. هؤلاء الشباب يتم استغلال حماسهم وقلة خبرتهم بالحياة لرميهم في أتون هذه المغامرة. كما يطغى العنصر الرجالي على العينة بنسبة 73%، بينما تسجل النساء نسبة 27% (أغلبهن من نيجيريا حيث تشكل المرأة النيجيرية 34% من أبناء جنسيتها الوافدين).
3. « الهروب الكوني »: لماذا تونس بالذات؟
خلف كل مهاجر قصة مريرة، لكن الأرقام تجمع هذه القصص في مسارين مرعبين:
- الدافع الاقتصادي (76%): الفقر المدقع وانسداد الأفق في بلدان المنشأ هو المحرك الأساسي.
- دافع الدم والنار (62%): الحروب والنزاعات والقتل المسلح. هذا الدافع ينفجر تحديداً لدى المهاجرين الإثيوبيين ليصل إلى 76%.
يكشف التحقيق أن 52% من المثليين الإثيوبيين الواصلين إلينا ينحدرون من إقليمي « تيغراي » (32%) و »أمهرة » (20%)، وهي مناطق مصنفة دولياً كـ »براميل بارود » بسبب الحروب الأهلية الطاحنة والمجازر المستمرة. هؤلاء لا يبحثون عن تحسين دخل، بل يفرون من الموت بجلودهم. المفارقة المقلقة للقارئ التونسي هنا، هي أن 70% من الإثيوبيين يسارعون بتقديم طلبات لجوء فور استقرارهم في تونس، مقارنة بـ 26% فقط لبقية الجنسيات، مما يضع الإدارة التونسية والمنظمات المحلية تحت ضغط قانوني وإنساني غير مسبوق.

4. المافيا العابرة للحدود: 93% في قبضة « البزناسة »
هنا نصل إلى الفصل الأكثر إثارة وخطورة في التحقيق: كيف عبروا الصحراء الكبرى وحقول الألغام الأمنية؟
الجواب صادم: 93% من المهاجرين اعترفوا صراحة بأنهم استعانوا بخدمات شبكات التهريب الدولية (التي تُعرف في اللهجة المحلية بـ »البزناسة ») للوصول والدخول إلى تونس.
التحقيق يثبت أن هذه المافيا تعمل بأسلوبين مختلفين حسب جنسية الزبون:
- الخط الإثيوبي (المجزأ والخطير): يعتمد 85% من الإثيوبيين على « مهربين متعددين ». يسلمهم مهرب في السودان لآخر في ليبيا، ومن ثم لآخر على الحدود التونسية. هي رحلة ابتزاز متواصلة، ولذلك فإن أسباب توقفهم في الطريق تكون مرعبة: 74% يتوقفون للبحث عن مهرب جديد، 66% ينتظرون حوالات مالية من عائلاتهم لتدفع للمهربين، و61% يتعرضون للاحتجاز أثتاء العبور!
- الخط النيجيري (الشركات المنظمة): يعتمد 26% من النيجيريين على مهرب واحد يتكفل بالرحلة من البداية حتى النهاية. مسارهم أكثر تنظيماً، وتوقفاتهم تكون لوجستية واقتصادية: 78% يتوقفون للعمل وجمع المال، و52% ينتظرون توفر وسائل النقل.
5. « طريق الجحيم »: الرشوة، الخطف، والموت عياناً!
الوصول إلى التراب التونسي ليس نزهة، بل هو عبور فوق أجساد الموتى. اعترف 93% من المهاجرين بأنهم تعرضوا لانتهاكات واعتداءات وحشية خلال رحلتهم:
- العنف الجسدي: طال 80% من المهاجرين (يرتفع إلى 87% لدى الإثيوبيين).
- السرقة والسطو المسلح: واجهها 71% منهم تحت تهديد السلاح في الصحراء.
- رعب الاختطاف: هنا الصدمة الكبرى، 64% من المهاجرين الإثيوبيين تعرضوا للاختطاف والاحتجاز لطلب الفدية أثناء عبورهم المحطات الدولية!
- رؤية الموت (37%): أكثر من ثلث المهاجرين شاهدوا بأم أعينهم جثثاً لمهاجرين آخرين ماتوا عطشاً في الصحراء أو قُتلوا في النزاعات قبل أن تصل أقدامهم إلى حدودنا (ترتفع النسبة إلى 48% لدى الإثيوبيين).
6. بوصلة الخطر: من أين يمرون؟ وكيف يروننا؟
تُظهر الخرائط الاستقصائية أن هناك « بوابتين عملاقتين » تصبان مباشرة داخل تونس:
- الجزائر ولبيبا: هما الممران الحاسمان؛ حيث عبر 54% من المهاجرين عبر الحدود الجزائرية، وعبر 54% آخرون عبر الحدود الليبية. (النسب تتداخل لأن بعضهم جرب الحدودين).
المرعب في التحقيق هو « سيكولوجية المهاجر » وتصوره لمناطق الأمان والخطر:
- المهاجر الإثيوبي يرى أن جحيم الرحلة يتركز في ليبيا (83%) والسودان (61%)، وعندما يصل إلى تونس يشعر بأنه وصل إلى بر الأمان.
- أما المهاجر النيجيري، فالمفاجأة المقلقة جداً هي أنه يصنف الجزائر بنسبة (54%) وتونس بنسبة (40%) كبؤر للمخاطر والتهديدات بالنسبة إليه! ومع ذلك، ورغم هذا التصور السلبي ورغم الأهوال، فإن 77% منهم رفضوا تغيير خطتهم وصمموا على البقاء في مسارهم المؤدي إلى تونس (84% بين النيجيريين). إنهم يتقدمون نحو هدفهم بعناد انتحاري.
خلاصة التحقيق: كرة الثلج المتدحرجة نحو تونس
ما الذي يعنيه هذا التحقيق؟
إن المعطيات الحصرية لعام 2026 تثبت أننا لسنا أمام تدفق عشوائي بسيط، بل أمام أزمة مركبة تديرها مافيات تهريب دولية (تستقطب 93% من التدفقات)، مستغلةً غياب الوعي القانوني التام للمهاجرين (84% يجهلون قوانين تونس).
الرحلة تستغرق من المهاجر عاماً كاملاً أو أكثر في الصحاري والمعتقلات (70% من المهاجرين و95% من الإثيوبيين يستغرقون أكثر من سنة للوصول إلينا). هذا يعني أن من يصل إلى حدودنا اليوم، هو شخص خسر كل شيء، تعرض للاعتداء، وشاهد الموت، ودفع آلاف الدولارات، وتم شحنه بمعلومات مغلوطة.. شخص كهذا، لن يثنيه جدار أمني أو دورية حدودية عن تحقيق هدفه.
ملف الهجرة المختلطة في تونس يتطلب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تفكيك هذه الشبكات الدولية من منبعها، ومواجهة التعتيم المعلوماتي المخيف، قبل أن تتحول حدودنا إلى المصب الأخير لأزمات قارة بأكملها.
الجهات المصدرة والمنهجية المعتمدة للتقرير
تم إصدار هذه البيانات الإحصائية والخرائط التحليلية بواسطة شراكة دولية ومؤسسية متخصصة في شؤون الهجرة، وتتوزع الأدوار والجهات على النحو التالي:
أ. الجهات والمؤسسات الشريكة
- مركز الهجرة المختلطة (Mixed Migration Centre – MMC): الجهة البحثية الرئيسية المسؤولة عن جمع وتحليل البيانات الميدانية.
- المجلس الدنماركي للاجئين (Danish Refugee Council – DRC): المنظمة الإنسانية الدولية المظلية للمركز.
- مشروع PACES: مبادرة متخصصة في دعم اتخاذ القرارات المتعلقة بسياسات الهجرة في ظل التحولات المجتمعية.
- الاتحاد الأوروبي (European Union): الجهة الممولة لهذا التقرير والبحوث المرتبطة به.
ب. منهجية جمع البيانات ومحدداتها (آلية 4Mi)
- نظام جمع البيانات الأساسي (4Mi): اعتمدت الدراسة على نظام جمع البيانات الرئيسي والابتكاري التابع لمركز الهجرة المختلطة، والذي يهدف إلى سد الفجوات المعرفية وتوفير معلومات دقيقة لصناع القرار حول طبيعة الهجرة المختلطة ومخاطر الحماية التي تواجه اللاجئين والمهاجرين أثناء التنقل.
- المقابلات الميدانية: يقوم باحثون ميدانيون بجمع البيانات عبر مقابلات مباشرة مع اللاجئين والمهاجرين في مناطق جغرافية متعددة تشمل آسيا، والمحيط الهادئ، وشرق وجنوب إفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى شمال وغرب إفريقيا (التي تنتمي إليها هذه الدراسة).
- محددات العينة الاستقصائية: نظراً لطبيعة منهجية اختيار العينات المستخدمة في نظام (4Mi)، فإن النتائج المستخلصة توفر رؤى وأفكاراً غنية ومعمقة حول مجتمع الدراسة، ولكن لا يمكن استخدام هذه الأرقام والنسب لإسقاطها كمؤشرات عامة أو تعميمها على إجمالي مجتمع المهاجرين ككل.



