«رقصات من العالم» في قرطاج.. الجسد لغة تجمع ثقافات الشعوب

احتضن ركح المسرح الأثري بقرطاج، مساء الثلاثاء 11 أوت 2026، سهرة فنية بعنوان «رقصات من العالم»، جمعت عشر فرق فلكلورية من بلدان مختلفة، في عرض احتفى بالتنوع الثقافي والتراث الشعبي من خلال الرقص والموسيقى والأزياء التقليدية.

وحضر السهرة وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، إلى جانب عدد من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية، حيث تحوّل ركح قرطاج إلى فضاء للتلاقي بين ثقافات متعددة، امتدت من آسيا وأوروبا إلى شمال إفريقيا.
واختارت الفرق المشاركة تقديم لوحات تستند إلى موروثاتها الشعبية، لتروي عبر حركة الجسد والموسيقى والأزياء قصصًا عن الحياة اليومية والتاريخ والطبيعة والعادات والتقاليد.
من الصين إلى مونتينيغرو.. افتتاح الرحلة الفلكلورية
افتتحت فرقة «أوبرا بكين» السهرة بعرض جمع بين الرقصات القتالية والحركات البهلوانية، مستحضرة في لوحاتها صراعات الخير والشر.

وتميز العرض باستخدام الأقنعة والماكياج والألوان التي ترمز، وفق العرض، إلى صفات الشخصيات، من بينها الأحمر للشجاعة والأسود للنزاهة والأبيض للشر، في مشهد جمع بين الأداء الراقص والعناصر المسرحية.
ومن الصين انتقلت الرحلة إلى مونتينيغرو مع الفرقة الفنية والثقافية الأكاديمية، التي قدمت رقصات ذات حركات دائرية وإيقاعات مستوحاة من طبيعة جبال البلقان.

وتحوّل الإيقاع لاحقًا إلى نسق أكثر قوة مع رقصة «أورو» التقليدية، المعروفة أيضًا برقصة النسر، والتي تبدأ بتشكيل دائري وتنتهي في بعض عروضها بتشكيل برج بشري، في إحالة إلى معاني القوة والوحدة.
كما عكست الأزياء التقليدية المستخدمة في العرض ألوانًا وزخارف مرتبطة بالتراث المحلي، مع حضور بارز للأحمر والأبيض والأسود.
اليابان.. إيقاعات الطبول ورقصات «أوبون»
وكان الجمهور التونسي على موعد مع فرقة «Rising Sun» اليابانية، التي قدمت مجموعة من رقصات «أوبون» الصيفية، مع حضور بارز لآلة «التايكو» أو الطبل التقليدي.

وأسهم «ناغادو-دايكو»، وهو طبل طويل يستخدم في العروض والاحتفالات، في منح العرض إيقاعًا حماسيًا وتفاعليًا، فيما استحضرت الفرقة جانبًا من تقاليد الرقص الياباني، من بينها «كابوكي» و«نيهون بويو».
مالطا.. حين تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى رقص
ومن اليابان إلى مالطا، قدمت فرقة «أوجيغيا للفنون الشعبية» لوحات مستوحاة من الحياة اليومية والتراث البحري والريفي.

واستحضرت الفرقة من خلال حركات الراقصين صور الصيادين وجلسات النساء وحركة الأطفال وأجواء البحر، قبل تقديم الرقصة الوطنية «إيل-مالتيجا»، التي تقوم على حركات متناسقة وإيقاعات حيوية.
كما حضرت الملابس التقليدية المالطية، من خلال التنانير النسائية الملونة والأزياء الرجالية البيضاء.
الهند.. «غاربا» و«دانديا راس» على ركح قرطاج
وقدمت فرقة الفنون الشعبية الغوجاراتية من الهند عرضًا اتسم بسرعة الحركات والإيقاعات الحيوية، مستحضرة رقصتي «غاربا» و«دانديا راس».
وحملت اللوحات الهندية الجمهور في رحلة بصرية وموسيقية إلى غوجارات، من خلال رقصات جماعية ذات طابع احتفالي يعكس جانبًا من الموروث الشعبي الهندي.

مصر وليبيا.. من المولوية إلى رقصات البادية
وفي الجزء الإفريقي من السهرة، قدمت فرقة الجامعة الأمريكية بالقاهرة عرضًا استحضر الرقصة الصوفية الشهيرة «المولوية»، القائمة على الدوران المتواصل، قبل الانتقال إلى رقصة البحارة التي استحضرت أجواء الإسكندرية وبورسعيد.
ومن مصر إلى ليبيا، قدمت الفرقة الوطنية الشعبية الليبية مجموعة من اللوحات المستوحاة من الحياة البدوية، وقصص أهل النجع وقيم الشهامة المتوارثة.

واعتمدت العروض الليبية على إيقاعات المزود والطبل، إلى جانب ضربات أقدام قوية على الركح، فيما ظهرت الأزياء التقليدية من بينها «الوزرة» الرجالية، وحضرت في اللوحات النسائية خطوات من الرقصات التقليدية المرتبطة بالأعراس.
الجزائر والمغرب.. تنوع مغاربي على ركح قرطاج
ومن ليبيا إلى الجزائر، قدمت فرقة الديوان الوطني للثقافة بالجزائر رقصة «أشاور»، مستحضرة جوانب من الثقافة المحلية من خلال الملابس والحلي والحركات الراقصة.

كما قدمت الفرقة رقصة «أداش» الرجالية، التي اتسمت بطاقة احتفالية وحضور واضح للتناسق بين الموسيقى وحركات الراقصين.
وكان الموعد بعد ذلك مع المغرب، من خلال فرقة «تيزويت العالمية»، التي احتفت بالموسيقى الأمازيغية وقدمت رقصة «النحلة»، القائمة على حركة موحدة وإيقاع منتظم بين الراقصين، في محاكاة لحركة النحل.
تونس تختتم الرحلة بلوحات من التراث الشعبي
واختتمت الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التونسية الرحلة الفلكلورية بثلاث لوحات مستوحاة من التراث المحلي.
وقدمت الفرقة أولًا لوحة «محارم»، وهي رقصة نسائية تحتفي بصورة المرأة المناضلة، قبل تقديم لوحة «ربوخ» الرجالية، التي اعتمدت على خطوات من الرقص التقليدي وإيقاعات المربع والربوخ والبونوارة.

أما اللوحة الأخيرة فجاءت في شكل احتفالية جماعية بثقافة الحياة لدى البحارة والفلاحين، لتقدم صورة عن جانب من التراث الشعبي التونسي وتنوعه.
قرطاج.. منصة لتلاقي الثقافات
وأثبتت سهرة «رقصات من العالم» أن الرقص يمكن أن يتحول إلى لغة مشتركة بين الشعوب، تتجاوز اختلاف اللغات والجغرافيا، وتفتح أمام الجمهور نافذة للتعرف على عادات وتقاليد وثقافات متعددة.
وتندرج السهرة ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي، الذي يتيح من خلال برمجته الفنية مساحة للقاء بين التجارب الثقافية المختلفة، ويجعل من المسرح الأثري بقرطاج منصة للاكتشاف والاحتفاء بالتراث الفني للشعوب.



