“القرهمانة المخبل في كبة”.. معز التومي يودّع شخصيته الأشهر من ركح قرطاج بعد 14 عاما من العطاء

تواصلت فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، مساء الأحد 26 جويلية 2026، بعرض مسرحية “القرهمانة المخبل في كبة”، وهي مونودراما من تأليف وإخراج وتمثيل الفنان معز التومي، حملت بين طياتها مزيجا من الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي، وقدّمت للجمهور رحلة إنسانية مؤثرة امتزج فيها الضحك بالألم والحنين.
واختار معز التومي أن يطل على جمهور قرطاج عبر شخصية “القرهمانة”، المرأة المسنة المصابة بمرض الزهايمر، والتي تستحضر من خلال مونولوغ طويل محطات من حياتها وذكرياتها وعلاقاتها الإنسانية، متنقلة بين وجع الفقد ووحشة الوحدة وحنين الماضي، لتتحول الشخصية إلى مرآة تعكس العديد من القضايا الاجتماعية التي يعيشها المجتمع التونسي.
وتناول العرض بأسلوب ساخر عددا من المواضيع الحساسة، من بينها العلاقات الزوجية، وتخلي الأبناء عن الأولياء، والعزلة الاجتماعية، فضلا عن بعض الإشكاليات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن، ليؤكد مجددا قدرة المسرح التونسي على معالجة القضايا المجتمعية بلغة فنية تجمع بين المتعة والرسالة.
وكشف معز التومي، في مقطع فيديو جمعه بوالدته، أن فكرة المسرحية انطلقت من تجربة شخصية عاشها مع مرضها، مؤكدا أن معايشته اليومية لتفاصيل مرض الزهايمر كانت الدافع الحقيقي وراء كتابة هذا العمل المسرحي، الذي حمل الكثير من البعد الإنساني والوجداني.
وعلى مستوى السينوغرافيا، راهن التومي على البساطة والرمزية من خلال توظيف عدد محدود من العناصر المسرحية، من بينها سرير وآلة خياطة وبعض قطع الأثاث، إلى جانب استخدام تقنية “الفيديو مابينغ” لتجسيد العالم الذهني المضطرب للشخصية، بما يعكس تشظي الذاكرة واضطرابها بفعل المرض، في معالجة بصرية خدمت مسار الحكاية وأضفت على العرض بعدا جماليا مؤثرا.
كما لم تخل المسرحية من الإشارات الساخرة إلى عدد من الظواهر الاجتماعية والإدارية، من بينها البيروقراطية وضعف الخدمات، عبر مواقف كوميدية تفاعل معها الجمهور بشكل لافت، لاسيما وأن العرض اعتمد على كسر الجدار الرابع وإشراك الحاضرين في عدد من مشاهده، ما خلق حالة من التفاعل المباشر بين الممثل وجمهور قرطاج.
وشهدت السهرة حضورا جماهيريا غفيرا، إلى جانب مشاركة عدد من الفنانين الذين واكبوا العرض، من بينهم الفنان صابر الرباعي، والممثلة سناء يوسف، والفنانة وجيهة الجندوبي، وعزيزة بولبيار.
وخلال الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أعلن معز التومي أن “القرهمانة المخبل في كبة” تمثل آخر ظهور لشخصية “القرهمانة” على الركح، بعد رحلة فنية امتدت لنحو 14 عاما، موضحا أن أسبابا صحية دفعته لاتخاذ هذا القرار، ومعتبرا أن مسرح قرطاج الدولي يمثل المكان الأنسب لتوديع الشخصية التي رافقته لسنوات طويلة وارتبط بها الجمهور التونسي.
وقد حظي العرض بتفاعل واسع من قبل الحاضرين، الذين تنقلوا بين الضحك والتأثر مع تفاصيل الحكاية، في تأكيد جديد على المكانة التي يحتلها المسرح التونسي ضمن برمجة مهرجان قرطاج الدولي، وقدرته على استقطاب جمهور غفير من خلال أعمال تجمع بين الفرجة الفنية والطرح الاجتماعي العميق.
وبوداع “القرهمانة”، لا يودّع معز التومي مجرد شخصية مسرحية، بل يختتم فصلا فنيا وإنسانيا امتد لأكثر من عقد من الزمن، تاركا بصمة خاصة في ذاكرة المسرح التونسي وجمهوره.















