يسرى محنوش تُطرب قرطاج وتكتب فصلًا جديدًا من مجدها الفني
بين الطرب الأصيل والهوية التونسية... "سيدة الطرب العربي" تؤكد جدارتها أمام جمهور قرطاج في سهرة ستظل راسخة في الذاكرة

في المسرح الأثري بقرطاج، حيث تختبر الأصوات قدرتها على ملامسة الوجدان، وحيث لا يمنح الجمهور اعترافه إلا لمن يستحق، كتبت الفنانة التونسية يسرى محنوش مساء الثلاثاء 28 جويلية 2026 فصلًا جديدًا من مسيرتها الفنية، خلال سهرة طربية استثنائية احتضنتها الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي، لتؤكد مرة أخرى أنها من أبرز الأصوات العربية القادرة على الجمع بين أصالة الطرب وحداثة الأداء.
لم يكن صعود يسرى محنوش إلى ركح قرطاج مجرد مشاركة فنية جديدة، بل كان لقاءً متجددًا مع مسرح يحمل رمزية خاصة في وجدان الفنانين. وقبل بداية الحفل، ظهر شريط مصور تحدثت فيه عن رهبة الوقوف على هذا الركح التاريخي، معتبرة أن الصعود إلى قرطاج مسؤولية قبل أن يكون شرفًا، ثم خاطبت جمهورها قائلة: “سنكتب فصلًا جديدًا من القصة اليوم.” ولم تكن تلك العبارة مجرد وعد، بل تحولت إلى حقيقة فنية امتدت على مدى ساعتين من الأداء المتقن.
استهلت محنوش السهرة بأغنية “بفكر فيك”، قبل أن تعود إلى الأغنية التي صنعت انطلاقتها العربية “ميحانة”، والتي لا تزال تمثل علامة فارقة في مسيرتها منذ مشاركتها في برنامج “ذا فويس”. ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن الفنانة تمتلك مفاتيح التواصل مع جمهور قرطاج، الذي تفاعل معها بحماس وردد كلمات أغانيها في مشهد يعكس المكانة التي أصبحت تحظى بها داخل الساحة الفنية.
وكانت عبارة “توحشتكم” كافية لتختصر سنوات الغياب الثلاث عن ركح قرطاج، قبل أن تفتح الباب أمام أمسية غنية بالتنوع الموسيقي، تنقلت خلالها بين روائع الطرب العربي وأعمالها الخاصة، في انسجام أظهر نضجًا فنيًا وقدرة على مخاطبة مختلف الأذواق.
وقدمت يسرى محنوش تحية وفاء لعمالقة الأغنية العربية، فأدت بإحساس عالٍ مختارات من روائع أم كلثوم، منها “أنساك” و**”حب إيه”، كما أعادت إلى الأذهان أعمال العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ من خلال “زي الهوى” و“أي دمعة حزن لا”**، قبل أن تهدي جمهورها أداءً مميزًا لأغنية “الهوى سلطان” لسلطان الطرب جورج وسوف. ولم يكن هذا الاختيار مجرد استحضار لأغانٍ خالدة، بل جاء ليبرز قدرتها على إعادة تقديمها بروحها الخاصة، دون أن تفقد شيئًا من أصالتها.
وفي المقابل، حافظت الفنانة على حضور إنتاجها الغنائي الخاص، فغنت “حواليا ناس”، و**”اسكت بس”، و“يا روحي ويا دادا”**، وهي أعمال رددها الجمهور عن ظهر قلب، في مشهد يؤكد نجاحها في بناء رصيد فني خاص بها، لا يقتصر على أداء الأغنيات التراثية أو إعادة تقديم الكلاسيكيات.
ولعل أكثر الفقرات تميزًا كانت تلك التي أعادت فيها الاعتبار للهوية الموسيقية التونسية، حيث انتقلت بسلاسة إلى الإنشاد الصوفي والطبوع الشعبية، وقدمت أعمالًا مثل “يا شاذلي يا بلحسن” و**”يا فارس بغداد”** و**”رايس البحار”** و**”راكب عالحمراء”**، إلى جانب النوبة البنزرتية، لتؤكد أن الانتماء إلى الهوية المحلية لا يتعارض مع الانفتاح على المدرسة الطربية العربية، بل يمنح التجربة الفنية عمقًا وخصوصية.
وساهمت الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو عبد الباسط بلقايد في إثراء العرض، من خلال توزيع موسيقي متوازن حافظ على روح الأعمال الأصلية، ومنح الفنانة مساحة واسعة لإبراز إمكاناتها الصوتية، سواء في المقامات الشرقية أو في المواويل والارتجالات التي قوبلت بتفاعل كبير من الحاضرين.
ما يميز يسرى محنوش اليوم ليس فقط قوة صوتها واتساع مساحته، بل قدرتها على التنقل بثقة بين المدارس الموسيقية العربية المختلفة؛ من الطرب المصري إلى الأغنية الخليجية والعراقية، مرورًا بالموروث التونسي، دون أن يبدو هذا التنوع استعراضًا تقنيًا، بل خيارًا فنيًا واعيًا يعكس شخصية غنائية ناضجة تمتلك هويتها الخاصة.
في سهرة امتزج فيها الإبداع بالإحساس، نجحت يسرى محنوش في كسب رهان قرطاج مرة أخرى، مؤكدة أن علاقتها بهذا المسرح لم تعد مجرد محطات متفرقة، بل أصبحت قصة نجاح متواصلة تُكتب فصلًا بعد آخر. لقد غادرت الركح تاركة خلفها جمهورًا عاش ليلة طربية بامتياز، ستظل تفاصيلها حاضرة في ذاكرة عشاق الموسيقى، ودليلًا جديدًا على أن الطرب الأصيل ما زال قادرًا على أن يجد مكانه في وجدان الجمهور عندما يقدمه صوت يمتلك الموهبة والثقافة والإحساس.





































