
قرطاج – أثبت الفنان العالمي سامي يوسف، مساء السبت 1 أوت 2026، أن الموسيقى يمكن أن تكون أكثر من مجرد أداء فني، عندما قدّم عرضًا استثنائيًا على ركح المسرح الأثري بقرطاج ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، في سهرة امتزجت فيها الروحانية بالإبداع الموسيقي والرسائل الإنسانية.

ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن الجمهور لم يكن على موعد مع حفل غنائي تقليدي، بل مع تجربة سمعية وبصرية متكاملة، نجح فيها الفنان البريطاني من أصول أذربيجانية في بناء حالة وجدانية جعلت الموسيقى لغةً تتجاوز الحدود والثقافات.
قرطاج تحتضن حوارًا بين الحضارات
انسجم العرض مع رمزية المسرح الأثري، الذي شكّل فضاءً مثالياً للقاء الثقافات، حيث رافق سامي يوسف أكثر من ثلاثين موسيقيًا ومغنيًا قدموا توليفة موسيقية مزجت بين المقامات العربية والتوزيع الأوركسترالي الحديث، مع حضور واضح لتأثيرات الموسيقى الفارسية والكلاسيكية الغربية وإيقاعات المتوسط وآسيا الوسطى والبلقان.

وزادت السينوغرافيا المستوحاة من المرقوم التونسي العرض ثراءً، إذ تحولت الزخارف التقليدية إلى عنصر بصري متناغم مع الموسيقى، معبّرة عن الهوية التونسية في قالب فني معاصر.
الجمهور يتفاعل مع أشهر أعماله
بلغ التفاعل ذروته خلال أداء أغنية “مدد”، حيث ردد الجمهور الكلمات وصفق بحرارة، قبل أن تتواصل السهرة مع أعمال بارزة من رصيده الفني، أبرزها “حسبي ربي”، التي صنعت أجواء روحانية خاصة داخل المسرح الأثري.

وشارك في العرض الفنانون إسماعيل بوجية ونبيلة معان من المغرب، إلى جانب الفنان الإسباني إسرا مورو، مضيفين ألوانًا موسيقية جديدة عززت البعد العالمي للعرض.
رسالة من قرطاج إلى غزة
خصص سامي يوسف واحدة من أكثر لحظات السهرة تأثيرًا لاستحضار معاناة الشعب الفلسطيني، عندما قدّم قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”.

وتفاعل الجمهور مع هذه اللحظة بالتصفيق والهتاف لفلسطين، في مشهد جسّد تلاقي الفن مع القضايا الإنسانية، بينما حافظ الأداء الموسيقي على هدوئه وعمقه ليمنح الكلمات حضورًا مضاعفًا.
مشروع فني يتجاوز حدود الغناء
أكد عرض قرطاج أن تجربة سامي يوسف لا تقوم فقط على جودة الأداء أو ثراء التوزيع الموسيقي، بل على مشروع فني متكامل يوازن بين الكلمة واللحن والصورة، ويمنح القيم الإنسانية مساحة مركزية داخل العمل الفني.

كما ساهم التناغم بين الإضاءة والسينوغرافيا والأداء الأوركسترالي في تحويل السهرة إلى لوحة فنية متكاملة، أبرزت قدرة الفنان على المزج بين التراث والانفتاح على الثقافات المختلفة دون التخلي عن هويته الفنية.
سهرة ستبقى من أبرز محطات الدورة الستين
نجح سامي يوسف في تقديم واحدة من أكثر سهرات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي تميزًا، مؤكّدًا أن الفن الهادف قادر على الجمع بين الجمال الموسيقي والرسالة الإنسانية، وأن المسرح الأثري بقرطاج ما يزال فضاءً يحتضن التجارب الفنية العالمية التي تترك أثرًا في الوجدان قبل الذاكرة.









