بلطي يُشعل ختام مهرجان الملاسين… ليلة شعبية استثنائية تؤكد أن الثقافة حق للجميع

لم تكن سهرة اختتام مهرجان الملاسين مجرّد عرض فني عابر، بل كانت موعدًا استثنائيًا جمع بين الفن والفرح وروح الحيّ، في مشهد جماهيري كبير صنعته جماهير الملاسين التي أثبتت مرة أخرى أن الأحياء الشعبية ليست فقط عناوين للمشاكل والتحديات، بل هي أيضًا فضاءات للحياة والإبداع والثقافة.
ملعب الملاسين احتضن ليلة الاختتام حضورًا جماهيريًا فاق كل التوقعات، حيث توافد الآلاف من النساء والرجال والأطفال والشباب وكبار السن، ليعيشوا سهرة مميزة أحياها الفنان بلطي وسط أجواء احتفالية عكست تعطش الجمهور إلى مثل هذه المواعيد الثقافية والفنية.
داخل الملعب، كانت الصورة مختلفة عن تلك النمطية التي تُلصق أحيانًا بالأحياء الشعبية؛ عائلات حاضرة، شباب يحتفل في كنف النظام، أطفال يعيشون لحظات من الفرح، ومواطنون وجدوا في المهرجان مساحة للتعبير عن حبهم للفن والحياة. وهي صورة تؤكد أن هذه الأحياء كانت ولا تزال خزّانًا للمواهب والكفاءات، وأنها أنجبت أطباء ومهندسين وقضاة وأمنيين وإطارات وأبناء وطن ساهموا في بناء تونس.
نجاح تنظيمي وأمني… شراكة صنعت الفرحة
تنظيم سهرة بهذا الحجم داخل حي شعبي، وبحضور جماهيري كبير وفنان يتمتع بشعبية واسعة لدى الشباب، كان تحديًا حقيقيًا على المستوى التنظيمي والأمني.
وقد نجحت مختلف الأطراف المتدخلة في ضمان سير السهرة في أفضل الظروف، حيث كان الحضور الأمني وأعوان الحماية المدنية عنصرًا أساسيًا في إنجاح هذا الموعد، من خلال تأمين الجمهور ومرافقة التظاهرة حتى نهايتها.
وتستحق هذه الجهود كل التقدير، باعتبار أن نجاح أي تظاهرة جماهيرية لا يرتبط فقط بجودة العرض الفني، بل كذلك بقدرة كل المتدخلين على توفير ظروف آمنة ومريحة للجمهور.
ومن أجمل صور هذه الليلة، مبادرة النائبة بمجلس نواب الشعب سيرين مرابط، رفقة المجلس المحلي والقائمين على المهرجان، بتقديم الورود والمشموم إلى أعوان الأمن والحماية المدنية، في رسالة تقدير لمن كانوا خلف نجاح هذه الفرحة الجماعية.
بلطي… حضور فني وتواصل مباشر مع الجمهور
على الركح، أكد بلطي مرة أخرى قدرته على التواصل مع جمهوره، حيث قدم عرضًا تفاعل معه الحاضرون بشكل كبير، وتميز بأداء مباشر بعيدًا عن الاعتماد على الحلول السهلة، ليمنح السهرة طاقة خاصة جعلت الجمهور حاضرًا معه في كل لحظاتها.
كما تحسب للفنان مبادرته بإتاحة الفرصة لبعض المواهب الشابة للصعود إلى الركح ومشاركة الجمهور لحظات فنية، من بينهم الفنان حمودة، في خطوة تعكس أهمية دعم الطاقات الجديدة ومنحها مساحة للظهور.
مهرجان الملاسين… رسالة إلى الثقافة في الأحياء الشعبية
نجاح هذه الدورة يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا لا تتكرر مثل هذه التجارب في بقية الأحياء الشعبية؟
فالملاسين أثبتت أن الثقافة ليست حكرًا على الفضاءات التقليدية أو المهرجانات الكبرى، وأن الجمهور في كل حي ومدينة وقرية يستحق أن يجد نصيبه من الفن والفرح.
إن تجربة مهرجان الملاسين تحمل رسالة واضحة إلى وزارة الشؤون الثقافية وكل المتدخلين: الاستثمار في الثقافة داخل الأحياء الشعبية ليس ترفًا، بل هو استثمار في الشباب، وفي الوقاية الاجتماعية، وفي بناء جسور التواصل بين المواطن والفن.
فأبناء الملاسين، كما أبناء الكرم وجبل الأحمر وحي التضامن وكل الأحياء الشعبية، لهم الحق في مهرجاناتهم، وفي فضاءات ثقافية تقرب الفنان من الجمهور.
حضور المسؤول بين الناس… ثقافة القرب
كما لا يمكن المرور دون الإشارة إلى حضور والي تونس في افتتاح مهرجان الملاسين، وهو حضور يعكس أهمية أن يكون المسؤول قريبًا من المواطنين ليس فقط في الأزمات والملفات الاجتماعية، وإنما أيضًا في لحظات الفرح والاحتفاء بالثقافة.
فالتظاهرات الثقافية الشعبية هي جزء من الحياة اليومية للمواطن، وحضور المسؤولين فيها يرسخ ثقافة القرب والانفتاح على مشاغل الناس واهتماماتهم.
الملاسين تحتفل… والثقافة تنتصر
في ختام هذه الدورة، تستحق الملاسين التهنئة على هذا النجاح، كما يستحق كل من ساهم في التنظيم والإنجاح والجمهور الذي صنع أجواء هذه الليلة كل التقدير.
راديو المدينة أف أم كان حاضرًا منذ انطلاق فعاليات المهرجان، وسيواصل نقل الصورة بكل مهنية وموضوعية؛ يثمّن النجاحات عندما تتحقق، وينقل الملاحظات عندما تستوجب ذلك، لأن دور الإعلام الحقيقي هو الوقوف مع كل ما يخدم المواطن والثقافة والمصلحة العامة.
مهرجان الملاسين لم يكن مجرد سهرة فنية… بل كان رسالة: الثقافة تصل إلى الجميع عندما تتوفر الإرادة.

































