
يحظى المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس باهتمام متزايد من مختلف مكونات المجتمع، باعتباره مؤسسة يُنتظر منها أن تساهم في رسم التوجهات الكبرى لمنظومة التربية والتعليم، وتقديم الرؤى والتصورات الكفيلة بتطوير التعليم وتحسين جودته، والإسهام في بناء رؤية وطنية تستجيب للتحولات التي يشهدها المجتمع والاقتصاد وسوق الشغل.
ويأتي هذا الاهتمام في مرحلة مهمة من مسار إرساء المجلس، خاصة مع تعيين الدكتور محمد علي البوغديري، وزير التربية السابق، كاتبًا عامًا للمجلس. ويُعرف البوغديري كذلك بخلفيته النقابية وبكونه قياديًا نقابيًا سابقًا، وهو ما يجمع في تجربته بين المسؤولية الحكومية والخبرة في الشأن التربوي والعمل النقابي.
ومن شأن هذا التنوع في التجربة أن يضفي أهمية خاصة على المرحلة التأسيسية للمجلس، ولا سيما في ما يتعلق بإدارة الحوار مع مختلف مكونات الأسرة التربوية والاستماع إلى انشغالات المدرسين والفاعلين في قطاع التربية والتعليم. مجلس ذو اختصاص أفقي وليس تابعًا إداريًا لوزارة التربية ومن المهم توضيح أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم لا يُعدّ هيكلًا تابعًا إداريًا لوزارة التربية، بل هو مؤسسة تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية، ويضطلع بدور يتجاوز حدود وزارة واحدة، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي يتناولها وتداخلها بين مختلف قطاعات الدولة.
فمنظومة التربية والتعليم لا تقتصر على التعليم المدرسي، وإنما تمتد إلى التعليم العالي والبحث العلمي، والتكوين المهني، والشباب والرياضة، والثقافة، والأسرة والطفولة، والشؤون الدينية وغيرها من المجالات ذات الصلة بتكوين الإنسان وبناء الأجيال. ومن هذا المنطلق، فإن عمل المجلس يتقاطع مع عدد من الوزارات والهياكل العمومية، وفي مقدمتها وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة التشغيل والتكوين المهني، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الشؤون الثقافية، ووزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، ووزارة الشؤون الدينية، بما يجعل منه فضاءً وطنيًا متعدد القطاعات للتفكير في مستقبل التربية والتعليم.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الإصلاح التربوي الحقيقي لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة واحدة فقط، بل يتطلب تنسيقًا ورؤية مشتركة بين مختلف القطاعات المتداخلة في تكوين المواطن وإعداده للحياة المهنية والاجتماعية. ماذا ينتظر التونسيون من المجلس؟ يتركز اهتمام الرأي العام بالخصوص حول مدى قدرة المجلس على إحداث تغيير فعلي في واقع التربية والتعليم، ومدى تأثير آرائه وتوصياته في السياسات والقرارات التربوية.
كما تبرز تساؤلات عديدة حول دوره في معالجة الإشكاليات التي تواجه المدرسة التونسية، وخاصة تراجع مستوى التحصيل، والفوارق بين الجهات، والانقطاع المدرسي، ووضعية المؤسسات التربوية، وظروف عمل المدرسين، إلى جانب تحديات الحوكمة والإصلاح الإداري والرقمنة.
كما تحظى ملفات البرامج والمناهج التعليمية، واللغات، والتعليم الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتكوين المهني، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتعليم الخاص، والدروس الخصوصية، باهتمام واسع، إلى جانب مسألة ربط منظومة التعليم بحاجيات سوق الشغل والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
وهنا يطرح التونسيون سؤالًا أساسيًا:
هل سيتمكن المجلس من الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمة إلى مرحلة اقتراح الحلول وتنفيذ الإصلاحات؟
المدرسة التونسية في مواجهة تحديات متراكمة يولي الأولياء اهتمامًا خاصًا بمستقبل أبنائهم وجودة التعليم الذي يتلقونه، في حين ينتظر المدرسون أن يساهم المجلس في بلورة رؤية واضحة ومستقرة للإصلاح التربوي تراعي ظروفهم المهنية وتدعم مكانتهم داخل المنظومة التعليمية.
أما التلاميذ والطلبة، فيهمهم أن تكون الإصلاحات المقترحة قادرة على توفير تعليم عصري وعادل يضمن تكافؤ الفرص ويفتح أمامهم آفاقًا أفضل للدراسة والعمل. كما أن التحديات الجديدة، من الذكاء الاصطناعي إلى التحول الرقمي وتغير حاجيات سوق الشغل، تفرض مراجعة عميقة لطرق التعليم والتكوين، بما يجعل المدرسة والجامعة ومؤسسات التكوين قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعارف والمهارات التي يتطلبها المستقبل.
البوغديري أمام اختبار المرحلة التأسيسية كما أن خلفية الكاتب العام للمجلس، باعتباره وزير تربية سابقًا وقياديًا نقابيًا سابقًا، قد تمنحه قدرة على فهم مختلف زوايا المشهد التربوي، سواء من داخل الإدارة والدولة أو من زاوية الفاعلين الاجتماعيين والنقابيين. غير أن التحدي الأساسي سيظل في تحويل هذه الخبرات إلى مقاربة مؤسساتية جامعة، تقوم على الحوار والتوافق والتفكير الاستراتيجي بعيدًا عن التجاذبات، بما يخدم مصلحة المدرسة التونسية ومستقبل الأجيال.
فالمرحلة التأسيسية للمجلس ستكون محكومة بمدى قدرته على بناء علاقة ثقة مع مختلف المتدخلين، وعلى تحويل موقعه كمؤسسة وطنية ذات اختصاص أفقي إلى قوة اقتراح حقيقية في مجال التربية والتعليم. من التشخيص إلى الحلول ومن هذا المنطلق، فإن أبرز ما ينتظره المواطن التونسي من المجلس الأعلى للتربية والتعليم هو الانتقال من تشخيص الإشكاليات إلى تقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ، وأن يكون المجلس فضاءً وطنيًا للحوار والتفكير في مستقبل المدرسة التونسية، يستمع إلى مختلف الأطراف ويضع مصلحة التلميذ وجودة التعليم في صدارة أولوياته.
إن نجاح المجلس لن يقاس فقط بعدد الاجتماعات أو التقارير والتوصيات التي يصدرها، وإنما بمدى قدرته على التأثير في مسار الإصلاح، وبقدرته على تقديم تصورات عملية قابلة للترجمة إلى سياسات عمومية، وعلى خلق جسور حقيقية بين مختلف مكونات المنظومة التربوية.
كما أن نجاح المجلس في بناء الثقة مع المجتمع سيمر أساسًا عبر التواصل الواضح والشفاف، والتعريف بدوره وصلاحياته، وإبراز نتائج أعماله، وفتح قنوات الحوار مع الأسرة التربوية والأولياء والتلاميذ والطلبة والخبراء ومختلف مكونات المجتمع.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو أن يتحول المجلس الأعلى للتربية والتعليم من مجرد مؤسسة منتظرة إلى قوة تفكير واقتراح وإسناد للإصلاح التربوي، وأن يساهم في صياغة مشروع وطني طويل المدى يعيد للمدرسة التونسية دورها ومكانتها، ويضمن لأجيال المستقبل تعليمًا أكثر جودة وعدالة وقدرة على مواكبة عالم سريع التغير.
بقلم: عصام البوسالمي



