إليسا تجدد العهد مع جمهورها على ركح مهرجان قرطاج الدولي

بعد غياب طويل، عادت الفنانة اللبنانية إليسا إلى ركح مهرجان قرطاج الدولي، في سهرة جمعت بين الحنين والاحتفاء، واستهلتها من بوابة الذاكرة من خلال فيديو استعاد محطات مفصلية من مسيرتها الفنية والموسيقية.

ومنذ اللحظات الأولى، كان جمهورها حاضرًا بقوة، يلتقط النوتات الأولى ويردد كلمات أغانيها قبل ظهورها على الركح، قبل أن تستقبلها المدرجات بالتصفيق والهتاف. وكانت أغنية «كل اللي بيحبوني» إحدى أبرز لحظات التواصل الأولى بينها وبين جمهورها.

ومنذ إطلالتها، تشكلت بين إليسا والجمهور، الذي غصت به المدارج، كيمياء خاصة سرعان ما تحولت إلى تفاعل لافت. تحركت الفنانة على الركح وهي تحيي الحاضرين، بينما غادر عدد منهم مقاعدهم لمشاركتها الغناء، لتتحول السهرة إلى موعد احتفالي مفتوح بين الفنانة وجمهورها.

ولم تخف إليسا سعادتها بالعودة إلى مهرجان قرطاج الدولي بعد سنوات من الغياب، مستحضرة علاقتها التاريخية بهذا المكان الذي احتضن صوتها قبل 17 عامًا، كما تحدثت عن عليسة التي تفتخر بحمل اسمها.

وبمرافقة فرقة موسيقية بقيادة المايسترو فادي عزّو، تنقلت إليسا بين عدد من أغاني رصيدها الفني، وهو رصيد يقوم على شاعرية الكلمة وصدق الإحساس وانسيابية الألحان، مع انفتاح على تلوينات موسيقية مختلفة.

وقالت إليسا مخاطبة جمهورها: «أحلى رجعة لتونس بوجودكم»، لتتواصل السهرة على إيقاع أغانيها القديمة والجديدة، في رحلة استعاد خلالها الجمهور محطات مختلفة من مسيرتها الفنية.

17 عامًا بين إليسا وقرطاج
تعود علاقة إليسا بمسرح قرطاج إلى سنة 2009، حين اعتلت المسرح الأثري ضمن الدورة الخامسة والأربعين للمهرجان أمام جمهور غفير، ردد معها يومها أغانيها، وخاصة من ألبوم «أيامي بيك».

وكان ذلك اللقاء إحدى المحطات التي عكست حجم العلاقة التي نسجتها الفنانة اللبنانية مع الجمهور التونسي، الذي وجد في صوتها وأغانيها مساحة للتعبير عن تفاصيله ومشاعره العاطفية.

واليوم، تعود إليسا إلى الركح نفسه بعد سنوات طويلة، لكن في سياق موسيقي مختلف. فالفنانة التي بدأت رحلتها من «استوديو الفن» سنة 1992 عاشت تحولات كبيرة عرفتها صناعة الموسيقى العربية، من عصر الألبوم إلى الأغنية المنفردة، ومن التلفزيون والإذاعة إلى المنصات الرقمية.

ورغم هذه التحولات، حافظت إليسا على خط فني واضح، يقوم أساسًا على صوتها وقدرتها على نقل الإحساس، وعلى شخصية غنائية اختارت منذ بداياتها الاقتراب من التفاصيل العاطفية والإنسانية.

ومن «عايشالك» إلى «أجمل إحساس»، ومن «تصدق بمين» إلى «أسعد واحدة» و«سهرنا يا ليل» و«كل اللي بيحبوني»، تشكل عبر السنوات رصيد فني جعل الأغنية العاطفية جزءًا أساسيًا من صورتها الفنية ومن علاقتها بجمهورها.

كما استفادت إليسا من تعاونها مع عدد من الأسماء المؤثرة في صناعة الموسيقى العربية، من بينهم مروان خوري ومحمد رحيم وزياد برجي ووليد سعد، إلى جانب تجارب أخرى ساهمت في تنويع رصيدها والمحافظة على حضورها في مشهد موسيقي سريع التحول.
أغنية تعبر الزمن
اللافت في تجربة إليسا أن نجاحها لم يتوقف عند حدود الانتشار، إذ تمكنت من تحويل أسلوبها إلى علامة فنية يمكن تمييزها، والمحافظة على مساحة خاصة ضمن جيل شهد بروز العديد من الأصوات النسائية.

وفي كل مرحلة، أعادت الفنانة تقديم الأغنية الرومانسية ضمن إنتاجات وتوزيعات وموضوعات مختلفة تلامس تحولات جمهورها، مع الحفاظ على الحساسية الفنية نفسها، القائمة على التوازن بين بساطة التلقي ووضوح التعبير وصدق الإحساس.

وفي قرطاج، اكتسبت هذه العلاقة بين إليسا وجمهورها بعدًا إضافيًا، فالحاضرون لم يأتوا فقط للاستماع إلى الجديد، بل جاؤوا أيضًا لاستعادة أغنيات رافقتهم في مراحل مختلفة من حياتهم. وهكذا تحول الحفل إلى مساحة تلتقي فيها الأغنية القديمة بالجديدة، والذاكرة بالحاضر.

كما أضفت الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي قيمة رمزية على هذا اللقاء، إذ يتزامن حضور إليسا مع احتفاء المهرجان بستة عقود من المواعيد الكبرى مع الموسيقى والفنون.

وبين تاريخ المهرجان وتاريخ الفنانة، تقاطعت ذاكرتان: ذاكرة ركح احتضن أسماء عربية وعالمية كبرى، وذاكرة صوت جعل من العاطفة طريقًا إلى الجمهور.

ولم يكن الاختبار الحقيقي لإليسا في قرطاج إثبات جماهيريتها، فقد حسمت مسيرتها هذا الأمر منذ سنوات، وإنما تأكيد أن العلاقة مع الجمهور قادرة على عبور الزمن.

فبعد سنوات من الغياب، عادت إليسا إلى المكان نفسه، فاستقبلتها المدرجات بأصوات تعرف أغانيها وتحفظ كلماتها، في مشهد يؤكد أن الأغنية التي تصنع علاقة حقيقية مع جمهورها قادرة على أن تستعيد حضورها مهما طال الغياب.











صور ومتابعة : عيسى الماجري



