
اختُتمت، اليوم الخميس بتونس، أشغال منتدى «الذكاء الاصطناعي من أجل العدالة الاقتصادية»، الذي نظمه معهد لاهاي للابتكار القانوني والسجل الوطني للمؤسسات، بمشاركة ممثلين عن القطاعين العام والخاص وخبراء في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وممثلين عن المؤسسات والشركات الناشئة.
وتناول المنتدى سبل توظيف الذكاء الاصطناعي والرقمنة في تبسيط الإجراءات الإدارية والجبائية، وتحسين وصول المؤسسات إلى المعلومة والخدمات، وتسريع معالجة الملفات والحد من النزاعات، مع تركيز خاص على المؤسسات الصغرى والمتناهية الصغر. وأكدت مداخلات المشاركين، في المقابل، ضرورة إقران هذا التحول بحماية المعطيات الشخصية والشفافية والرقابة البشرية.
نحو إدارة لا تطلب الوثيقة نفسها أكثر من مرة
وأكد رئيس منظمة «كوناكت» أسلان بالرجب أن المؤسسات الصغرى والمتناهية الصغر تمثل النسبة الأكبر من النسيج الاقتصادي التونسي، مشدداً على أهمية ضمان تكافؤ فرص النفاذ إلى المعلومة الاقتصادية، وتطوير خدمات رقمية مبسطة تراعي احتياجات أصحاب المؤسسات بمختلف فئاتهم.
من جانبه، أوضح المدير المعلوماتي بالسجل الوطني للمؤسسات عادل الحجري أن السجل يتجه نحو رقمنة خدماته بشكل كامل، مع تطوير أدوات تعتمد الذكاء الاصطناعي لمساعدة أصحاب المؤسسات، notamment في اختيار الأسماء وفهم الإجراءات والوثائق المطلوبة.
وشدد الحجري على أهمية الربط البيني بين الإدارات واعتماد معرّف موحد للمواطن والمؤسسة، بما يسمح بتبادل المعلومات بين الهياكل العمومية ويحد من تكرار تقديم الوثائق.
ويتمثل أحد أبرز الأهداف المطروحة في تكريس مبدأ إداري بسيط: إذا كانت المعلومة أو الوثيقة متوفرة لدى إدارة عمومية، فلا يُفترض مطالبة المواطن أو المؤسسة بإيداعها من جديد لدى إدارة أخرى.
وتنسجم هذه التوجهات مع المسار الرسمي نحو تسريع التحول الرقمي الشامل ورقمنة معاملات السجل الوطني للمؤسسات، إلى جانب العمل على تطوير الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2026-2030.
8 آلاف يوم عمل وفرتها الرقمنة
وفي الجانب الجبائي، أكد ممثل الإدارة العامة للضرائب محمد نقاش أن إدماج الذكاء الاصطناعي أصبح من الأدوات المطروحة لتطوير أداء الإدارة وتحسين الخدمات، بالتوازي مع ضرورة حماية المعطيات الشخصية والتحكم في المخاطر المرتبطة بالتقنيات الجديدة.
وأوضح أن رقمنة التصريح بالمشغّل عن بُعد عبر منصة «TEJ» مكّنت، وفق المعطيات المقدمة خلال المنتدى، من الاقتصاد في نحو 8 آلاف يوم عمل بشري، أي ما يعادل تقريباً 50 موطن شغل، إلى جانب تقدم الربط بين الإدارة العامة للضرائب والسجل الوطني للمؤسسات.
كما تناولت النقاشات مسألة بناء مركز بيانات وطني وتطوير قدرات تونسية في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يعزز التحكم في البيانات الوطنية ويدعم استخدامها في تحسين الخدمات العمومية.
الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديلاً عن القرار البشري
وأكدت مديرة مكتب معهد لاهاي للابتكار القانوني في تونس رجاء مزه أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن الإدارة أو المهنيين في المجال القانوني، وإنما باعتباره أداة مساعدة للإنسان تمكنه من تحسين جودة الخدمات وتسريع معالجة المعلومات، مع بقاء القرار والمسؤولية في النهاية بيد الإنسان.
وتتقاطع هذه المقاربة مع ما طُرح خلال المنتدى بشأن ضرورة حماية الخصوصية، والتصدي للتحيزات الخوارزمية، وضمان الشفافية والرقابة على مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
7 توصيات لتعزيز الإدارة الرقمية
وخلص المنتدى إلى جملة من التوصيات، من أبرزها:
- تعميم الربط البيني بين الإدارات وعدم مطالبة المواطن أو المؤسسة بالمعلومة نفسها أكثر من مرة.
- اعتماد معرّف موحد للمواطن والمؤسسة لتسهيل تبادل البيانات.
- توحيد المراجع والتصنيفات الوطنية بما يضمن قابلية تبادل البيانات بين الأنظمة.
- تطوير قدرات وطنية في الذكاء الاصطناعي وإنشاء مركز بيانات وطني.
- تصميم الخدمات الرقمية وفق حاجيات المؤسسات الصغرى والمتناهية الصغر.
- إتاحة المعلومات العامة دون تسجيل، مع قصر التثبت من هوية المستخدم على الخدمات التي تستوجب ذلك.
- تعزيز الرقابة البشرية وحماية المعطيات وضمان موثوقية مخرجات الذكاء الاصطناعي.
من رقمنة الوثيقة إلى إعادة بناء الإدارة
ويطرح المنتدى تصوراً يتجاوز مجرد نقل الإجراءات الورقية إلى منصات إلكترونية، نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الإدارات وربط قواعد البيانات وتبادل المعلومات آلياً.
وبهذا المعنى، لا يقاس نجاح التحول الرقمي فقط بعدد الخدمات المتاحة عبر الإنترنت، وإنما أيضاً بمدى ترابط الأنظمة، وسهولة استعمالها، ووضوح المعلومة، وتقليص عدد الإجراءات والوثائق المطلوبة، وثقة المواطن والمؤسسة في الخدمات الرقمية.
ويأتي منتدى «الذكاء الاصطناعي من أجل العدالة الاقتصادية» في سياق النقاش المتزايد حول توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات في تحديث الإدارة وتحسين مناخ الأعمال، مع التأكيد على أن التحول الرقمي يظل مرتبطاً بضمان حماية المعطيات، وأمن الأنظمة، وشفافية الخوارزميات، والحفاظ على القرار البشري.




