الميزان الاقتصادي لسنة 2027: نموّ متوقّع بـ3.1% واستثمارات أجنبية بـ4.8 مليارات دينار

ناقشت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، خلال جلسة مشتركة مع لجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، انعقدت يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، بحضور وزير الاقتصاد والتخطيط، وذلك في إطار بحث التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة والفرضيات المعتمدة لإعداد ميزانية السنة المقبلة.

وتركّزت المناقشات على واقعية تقديرات النمو والاستثمار، وقدرة الاقتصاد الوطني على إحداث مواطن الشغل، إلى جانب سبل معالجة العجز التجاري والطاقي، وتحسين مناخ الأعمال، وتسريع إنجاز المشاريع، وضمان التناسق بين الميزان الاقتصادي ومخطط التنمية وميزانية الدولة.
فرضيات اقتصادية وتحديات هيكلية
أكد رئيس لجنة المالية والميزانية، ماهر الكتاري، في مستهل الجلسة، أهمية مشروع الميزان الاقتصادي في تحديد الخيارات الكبرى للدولة، مشددا على ضرورة اعتماد فرضيات واقعية تستند إلى معطيات دقيقة وتعكس الإمكانات الفعلية للاقتصاد الوطني.

ودعا إلى التمييز بين المشاريع المعلنة والإنجازات الفعلية، وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة والقادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل، خاصة لفائدة خريجي الجامعات والتكوين المهني.
كما شدد على ضرورة تحديد أسباب العجز الطاقي، وترشيد توظيف الموارد المتاحة، والتثبت من جاهزية المشاريع قبل مناقشة ميزانية الدولة لسنة 2027، مع المحافظة على الدور الاجتماعي للدولة وتحسين مناخ الاستثمار.

من جهته، أوضح وزير الاقتصاد والتخطيط أن إعداد مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 تم في سياق دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية، وارتفاع كلفة النقل والتأمين والأسمدة، فضلا عن استمرار الضغوط التضخمية.
وأشار إلى أن التقديرات الاقتصادية تظل قابلة للمراجعة والتحيين تبعا لتطور الظروف والمعطيات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية.
النمو عند 3.1% والاستثمار عند 16.4%
أفاد الوزير بأن تقديرات النمو الاقتصادي لسنة 2026 جرى تحيينها من 3.3% إلى 2.7%، فيما تستهدف التوقعات تحقيق نمو بنسبة 3.1% خلال سنة 2027.
وتشمل أبرز الفرضيات الاقتصادية للسنة المقبلة:
- ارتفاع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي من 15.5% إلى 16.4%.
- بلوغ الاستثمارات الأجنبية المباشرة 4.8 مليارات دينار، مقابل 4 مليارات دينار سنة 2026.
- ارتفاع صادرات السلع والخدمات بنسبة 8%.
- تراجع نسبة التضخم إلى 5.2%.
- انخفاض نسبة البطالة إلى 14.5%.
- استقطاب 11.5 مليون سائح.
- اعتماد سعر للنفط في حدود 80 دولارا للبرميل.
وتستند هذه التقديرات، وفق عرض الوزير، إلى تحسن الطلب الخارجي، وانتظار ارتفاع إنتاج الفسفاط والمحروقات، إلى جانب تطور الاستثمارات والصادرات.
تحسن في الفلاحة واستمرار الضغط على التوازنات الخارجية
استعرض الوزير تطور أداء القطاعات الاقتصادية خلال سنة 2026، مشيرا إلى تحسن نتائج الفلاحة والصناعات الغذائية، خاصة بفضل إنتاج زيت الزيتون والحبوب، مقابل تراجع إنتاج الفسفاط والمحروقات.

وساهم تراجع الإنتاج في زيادة الواردات من الطاقة والأسمدة، بما زاد من الضغوط على التوازنات الخارجية.
كما سجلت عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة تحسنا، بالتوازي مع تحقيق فائض في الميزان الغذائي، في حين تواصل العجز التجاري، الذي يُعزى نحو نصفه إلى العجز الطاقي.
وبلغت نسبة البطالة، وفق المعطيات المقدمة خلال الجلسة، 14.9%، فيما سجل التضخم 5.3%، وتراجع احتياطي العملة الأجنبية إلى مستوى يغطي 93 يوم توريد.
وتبرز هذه المؤشرات استمرار التحديات المرتبطة بالإنتاج الطاقي والتشغيل والتوازنات الخارجية، رغم التحسن المسجل في بعض القطاعات الاقتصادية.
النواب يطالبون بتوضيحات حول الاستثمارات وفرص التشغيل
تركزت مداخلات النواب على مدى واقعية فرضيات النمو والاستثمار، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل المشاريع المعلنة إلى إنجازات فعلية تسهم في الإنتاج وخلق فرص العمل.

وطالب النواب بتوضيحات بشأن الأسس المعتمدة لتحديد نسب النمو والاستثمار، وحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وطبيعة المشاريع المبرمجة، ونسب تقدم إنجازها، والآجال المحددة لدخولها حيز الإنتاج.

كما تساءلوا عن المحركات الفعلية للنمو الاقتصادي المستهدف، وإمكانية تحقيق نسبة تفوق 4% بما يسمح بتوفير فرص شغل كافية والحد من البطالة، خاصة في صفوف خريجي الجامعات والتكوين المهني وطويلي البطالة.

ودعوا إلى وضع خارطة طريق واضحة لدعم الاستثمار والصادرات، وتحسين تنافسية المؤسسات، وضمان التناسق بين الفرضيات الاقتصادية والاعتمادات المرصودة وقدرة ميزانية الدولة على تمويل مخطط التنمية.
وأثار النواب كذلك مسألة كيفية التعامل مع التغييرات المحتملة في الفرضيات الاقتصادية خلال السنة المالية، في ظل عدم اللجوء إلى قانون مالية تعديلي، إلى جانب التساؤل عن تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 ومآل النصوص القانونية المصاحبة لمخطط التنمية.
تبسيط الإجراءات ودعم الإنتاج الوطني
شدد النواب على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية ومراجعة التشريعات المنظمة للاستثمار والصفقات العمومية والصرف والمياه، وتسريع الرقمنة وإزالة العراقيل الإدارية التي تعطل المبادرة الاقتصادية.

كما أكدوا أهمية توفير الاستقرار التشريعي والجبائي، وتيسير النفاذ إلى التمويلات والحوافز اللازمة لتحسين مناخ الأعمال.
ودعوا إلى توجيه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات المنتجة، وخاصة الفلاحة والفسفاط والطاقة والصناعات التصديرية والصناعات ذات القيمة المضافة، مع دعم الإنتاج الوطني وتنويع الصادرات وتعزيز الحضور التونسي في الأسواق الإفريقية.

وفي ما يتعلق بالعجز التجاري والطاقي، طالب النواب بتوضيح استراتيجية الدولة في مجال الطاقة، ومآل حقول النفط الجديدة، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة بما يحد من التبعية الطاقية ويعزز أمن التزود بالطاقة ويرشد الاستهلاك.
كما شددوا على أهمية تعزيز الأمن الغذائي والمائي، وتحقيق التوازن بين تعبئة الموارد الذاتية والتمويل الخارجي، وضمان استدامة الدين العمومي وحسن توظيف التمويلات المتاحة.
إصلاح المؤسسات العمومية وتعزيز التنمية الجهوية
تطرقت المناقشات إلى وضعية المؤسسات والمنشآت العمومية، حيث أكد النواب ضرورة إصلاحها وإعادة هيكلتها وتحسين حوكمتها ومردوديتها، مع المحافظة على دورها الاقتصادي والاجتماعي وضمان استمرارية المرافق العمومية.

وفي رده على هذه المسألة، أوضح الوزير أن توجه الدولة لا يقوم على التفويت في المؤسسات العمومية، بالنظر إلى دورها الاقتصادي والاجتماعي، بل يستهدف تحسين حوكمتها وأدائها المالي وتعزيز قدرتها على تغطية نفقاتها وضمان استدامة نشاطها.
وأشار إلى الإجراءات المتخذة في إطار منشور الحكومة عدد 4، وإلى العمل على استكمال القوائم المالية للمؤسسات العمومية، موضحا أن قوائم سنتي 2022 و2023 لا تزال في طور الإنجاز، مع توقع استكمال قوائم سنة 2024 خلال الثلاثي الأول، وقوائم سنة 2025 خلال الثلاثي الأول من سنة 2027.

كما أكد النواب أهمية إشراك المصالح الجهوية والمجالس المحلية والجهوية في إعداد المخططات التنموية ومتابعة تنفيذها، واعتماد مقاربة تشاركية في تحديد الحاجيات والأولويات، بما يضمن توجيه المشاريع والموارد نحو متطلبات المناطق ومقومات التنمية فيها.
وشددوا على ضرورة تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين وتوفير الاعتمادات والإمكانات اللازمة لإنجاز المشاريع وتحقيق تنمية جهوية أكثر توازنا.
محطات جديدة لإنتاج الكهرباء ومراجعة التراخيص
وبخصوص اضطرابات التزود بالكهرباء خلال الصائفة، أوضح الوزير أنها ارتبطت بارتفاع الطلب على الطاقة وتراجع العرض المتاح في ظل ارتفاع درجات الحرارة، مشيرا إلى التوجه نحو توفير محطات جديدة لإنتاج الكهرباء بهدف ضمان استقرار التزود خلال صائفة سنة 2027.

وأكد أن العجز التجاري يرتبط أساسا بالعجز الطاقي، مشددا على ضرورة معالجة الاختلالات الهيكلية ودفع الانتقال الطاقي والمائي والتحكم في التضخم والعجز الجاري.
كما أبرز توجه الدولة نحو مراجعة الإجراءات الإدارية وإلغاء التراخيص والعراقيل التي تعطل الاستثمار، مع مواصلة متابعة تطور الأسعار وانعكاساتها على التوازنات الاقتصادية والمالية والقدرة الشرائية للمواطنين.
النمو والتشغيل في صدارة التحديات
أكدت أشغال الجلسة أهمية اعتماد فرضيات اقتصادية واقعية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين مناخ الاستثمار، ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي تحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام.
كما برزت ضرورة ضمان التكامل بين الميزان الاقتصادي ومخطط التنمية وميزانية الدولة، وربط التقديرات الاقتصادية ببرامج تنفيذية واضحة ومؤشرات قابلة للمتابعة والتقييم.

وتظل التحديات الأساسية المطروحة مرتبطة بمدى القدرة على تحويل الاستثمارات المبرمجة إلى مشاريع منتجة، وتحسين الإنتاجية والصادرات، والحد من العجز الطاقي والتجاري، وتوفير فرص الشغل، مع المحافظة على التوازنات المالية والدور الاجتماعي للدولة.



