
يبدو أن صربيا قدّمت، في أكتوبر 2026، واحدة من أبرز المحطات السياسية في أوروبا، بعدما تمكّنت قائمة مدعومة من الحركة الطلابية من التقدّم على المعسكر السياسي الذي قاده ألكسندر فوتشيتش، عقب سنوات من الهيمنة على المشهد السياسي، واحتجاجات امتدت قرابة عامين.
لم تبدأ الحكاية بحملة انتخابية تقليدية، ولا باتفاق بين أحزاب المعارضة، بل بمأساة إنسانية هزّت الرأي العام.
في الأول من نوفمبر 2024، انهارت مظلّة خرسانية بمحطة السكك الحديدية في مدينة نوفي ساد، ما أدّى إلى وفاة 16 شخصًا. وسرعان ما تحوّلت الحادثة إلى قضية رأي عام، وسط مطالب بكشف ملابسات المشروع، ونشر الوثائق المتعلقة بأشغال التجديد، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تورّطه في أي تقصير.
لم يكتفِ الطلاب بالتعبير عن الحزن أو تنظيم تحركات احتجاجية عابرة، بل رفعوا مطالب واضحة تتعلق بالشفافية ومكافحة الفساد وسيادة القانون. ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الاحتجاجات، وانضم إليها أساتذة جامعيون ومهنيون وفلاحون ومواطنون من فئات اجتماعية مختلفة.
الدرس الأول الذي تقدّمه التجربة الصربية هو أن القضية العامة قد تتحوّل إلى نقطة التقاء بين فئات متباينة، عندما تتجاوز المطالب حدود الانتماءات الحزبية وتتمحور حول المساءلة والحقوق الأساسية.
على امتداد أشهر الاحتجاج، لم تعد الحركة الطلابية مجرّد قوة ضغط في الشارع، بل اتجهت نحو بناء بديل انتخابي، من خلال قائمة ضمّت شخصيات من خلفيات مهنية وأكاديمية متنوعة. وبذلك انتقل الصراع من المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن مأساة نوفي ساد إلى اختبار قدرة الحركة على ترجمة التعبئة الشعبية إلى تمثيل سياسي.
وفي انتخابات 25 أكتوبر 2026، حققت القائمة الطلابية المدعومة من الحركة فوزًا تاريخيًا، وفق النتائج الأولية التي أوردتها وسائل إعلام دولية. وأقرّ ألكسندر فوتشيتش بخسارة معسكره الانتخابي، في تطور مثّل تحولًا كبيرًا في المشهد السياسي الصربي بعد سنوات من سيطرة حزبه وحلفائه على مؤسسات الحكم.
لكن أهمية ما حدث لا تكمن في خسارة زعيم سياسي للانتخابات فحسب، بل في المسار الذي قاد إلى هذه النتيجة: مأساة إنسانية، ثم مطالب بالشفافية، فاحتجاجات مستمرة، ثم تنظيم سياسي وخوض الانتخابات.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكفي هزيمة السلطة في صناديق الاقتراع لضمان تغيير حقيقي؟
التجارب السياسية تُظهر أن إسقاط معادلة الحكم لا يعني بالضرورة تغيير قواعده. فمكافحة الفساد تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء قادر على أداء مهامه، وإدارة تخضع للمساءلة، وإعلام يستطيع العمل بحرية، إلى جانب ضمانات تحول دون إعادة إنتاج ممارسات الماضي بأسماء جديدة.
كما أن تنوّع القاعدة الاجتماعية للحركات الاحتجاجية، الذي يمنحها قوة في مرحلة التعبئة، قد يتحوّل إلى تحدٍّ عند الانتقال إلى الحكم، خصوصًا عندما تتباين مواقف مكوّناتها بشأن الاقتصاد والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
وتحمل التجربة الصربية بُعدًا تاريخيًا آخر؛ إذ لا يمكن فصل النقاش بشأن إرث فوتشيتش السياسي عن مواقفه القومية السابقة. ففي يوليو 1995، أدلى أمام البرلمان الصربي بتصريح تضمّن تهديدًا بقتل مئة مسلم مقابل كل صربي يُقتل. وقد عاد هذا التصريح إلى الواجهة في النقاش العام، بينما قال فوتشيتش لاحقًا إن كلامه أُخرج من سياقه.
إن استحضار هذا الإرث يذكّر بأهمية مساءلة الخطاب السياسي، خصوصًا عندما يتصل بالتحريض القومي أو الديني، وبضرورة عدم السماح بتحويل الذاكرة التاريخية إلى أداة لتبرير الكراهية أو إنكار معاناة الضحايا.
ومع ذلك، فإن الحكم على أي تجربة سياسية ينبغي أن يستند إلى الوقائع والقرارات والممارسات، لا إلى الشعارات وحدها. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس فقط بمن يغادر السلطة، بل أيضًا بما يتغيّر في طريقة إدارتها، وبمدى احترام الحقوق والحريات، وبقدرة المؤسسات على منع تكرار التجاوزات.
هل نشهد بداية موجة جديدة من التغيير السياسي تقودها الأجيال الشابة، أم أن التجربة الصربية ستظل حالة مرتبطة بظروفها الخاصة؟
قد لا تقدّم صربيا إجابة نهائية عن مستقبل السياسة في العالم، لكنها تطرح سؤالًا يستحق المتابعة: ماذا يحدث عندما يرفض جيل جديد الاكتفاء بالاحتجاج، ويقرر الانتقال إلى المنافسة السياسية، واضعًا المساءلة والشفافية في صلب مشروعه؟
مقال : عماد كتار الطنفوري



