مجلس نواب الشعب يناقش تسوية وضعية الآبار الفلاحية غير المرخّص فيها وسط تحديات ندرة المياه

نظّمت الأكاديمية البرلمانية بمجلس نواب الشعب، صباح الاثنين 12 أكتوبر 2026، يومًا دراسيًا خُصّص لمناقشة مقترح القانون المتعلق بتسوية وضعية الآبار الفلاحية غير المرخّص فيها، بإشراف رئيس المجلس إبراهيم بودربالة، وبحضور نائبيه سوسن المبروك وأنور المرزوقي، ورئيس لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري عمر بن عمر، إلى جانب ممثلين عن وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري وعدد من الإطارات المختصة.
وأكد إبراهيم بودربالة، في كلمته الافتتاحية، أهمية معالجة وضعية الآبار غير المرخّص فيها ضمن إطار قانوني واضح، مشيرًا إلى أن التحديات المرتبطة بندرة المياه وتراجع الموارد المائية تفرض تعزيز الرقابة على استغلال المياه الجوفية، بما يضمن المحافظة عليها وحماية المصلحة الوطنية.
وشدّد رئيس مجلس نواب الشعب على أهمية التنسيق بين الوظيفتين التشريعية والتنفيذية، والاستئناس بآراء الخبراء والهياكل المختصة، بما يساعد على تطوير النصوص القانونية وضمان قابليتها للتطبيق، مؤكدًا ضرورة استكمال الإجراءات والنصوص الترتيبية اللازمة لتنفيذ القوانين.
مقترح جديد لمعالجة صعوبات التطبيق
من جهته، أوضح رئيس لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والمائي والصيد البحري عمر بن عمر أن المقترح يندرج في إطار معالجة الصعوبات التي اعترضت تطبيق الفصل 81 من القانون عدد 48 لسنة 2024 المؤرخ في 9 ديسمبر 2024، والمتعلق بقانون المالية لسنة 2025.
وبيّن أن جلسات العمل مع الهياكل المعنية بوزارة الفلاحة كشفت عن جملة من الإشكاليات، من بينها محدودية نطاق الآبار المشمولة بالتسوية، وعدم ضبط آجال واضحة للعملية، وعدم توضيح كيفية التعامل مع الآبار المنجزة بعد صدور القانون، إلى جانب عدم استكمال النصوص الترتيبية الضرورية.
وأضاف أن مقترحًا جديدًا قُدّم في مارس 2026 بالتنسيق مع أصحاب المبادرة، بهدف تجاوز هذه الإشكاليات وإرساء آليات أكثر وضوحًا لتنظيم استغلال الآبار الفلاحية.
وأشار إلى أن انتشار الحفر العشوائي يرتبط بتواتر سنوات الجفاف، وتزايد حاجيات الري، والضغط على الموارد المائية، وما ينجرّ عن ذلك من انعكاسات بيئية واجتماعية واقتصادية. ويهدف المقترح، وفق عرضه، إلى إدماج الآبار غير المرخّص فيها ضمن إطار قانوني يخضع للرقابة، مع ضبط شروط الاستغلال ومراقبة كميات المياه المستخرجة وحماية الموائد المائية.
كما دعا إلى التسريع في مراجعة مجلة المياه بما يستجيب للتحولات المناخية والتحديات الراهنة، مع اعتماد مقاربة تشريعية توازن بين تنظيم الاستغلال والمحافظة على ديمومة النشاط الفلاحي.
ارتفاع عدد الآبار العشوائية إلى أكثر من 3200 بئر
وقدّم المدير العام للموارد المائية بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عيسى حليمي عرضًا حول تطور ظاهرة الآبار غير المرخّص فيها، وأسباب انتشارها وآثارها والإجراءات الفنية والقانونية المتعلقة بها.
وأوضح أن هذه الظاهرة ترتبط بعدة عوامل، من بينها طول الإجراءات الإدارية للحصول على التراخيص، وارتفاع حاجيات الري وتوسّع الزراعات السقوية والبيوت المحمية، فضلًا عن تراجع التساقطات وتواتر سنوات الجفاف.
ووفق المعطيات التي عرضها المسؤول، ارتفع عدد الآبار العشوائية من 205 آبار سنة 2010 إلى نحو 3229 بئرًا سنة 2024، فيما تطورت كميات المياه المستخرجة منها من 205 ملايين متر مكعب إلى 827 مليون متر مكعب خلال الفترة نفسها.
وأشار إلى أن الاستغلال غير المنظم للمياه الجوفية يساهم في ارتفاع كلفة الضخ والطاقة، وتزايد النزاعات بين المستغلين، وصعوبة مراقبة كميات المياه المستخرجة وضمان توزيعها بصورة عادلة.
كما تشمل الآثار البيئية تراجع منسوب المياه الجوفية، وجفاف بعض الآبار السطحية، وتملّح المياه في المناطق الساحلية والجنوبية والواحات، فضلًا عن تدهور الأنظمة الواحية والتنوع البيولوجي، وتداخل المياه المالحة بالمياه العذبة في بعض المناطق الساحلية.
وذكّر ممثل الوزارة بأن المياه الجوفية تُعدّ ملكًا عموميًا يخضع لأحكام مجلة المياه، وأن حفر الآبار واستغلالها يستوجبان الحصول على التراخيص القانونية اللازمة. كما أوضح أن تسوية وضعية البئر لا تعني إقرار حق دائم في استغلالها، إذ يمكن اتخاذ إجراءات قانونية، من بينها تعليق الاستغلال أو ردم البئر أو الحد من تدفق المياه، عند ثبوت المخالفات أو وجود مخاطر على الموارد المائية.
عدّادات ذكية ومنصة رقمية لمراقبة الاستغلال
وفي إطار الحد من استنزاف الموارد المائية، تطرّق عيسى حليمي إلى عدد من الإجراءات الفنية، من بينها اعتماد الري بالتنقيط، وتركيز العدّادات الذكية، وضبط ساعات الضخ، ومراقبة مستويات الموائد المائية وتدفق المياه وحجم الضخ الشهري والسنوي، إلى جانب تحيين قاعدة البيانات الوطنية للآبار.
كما أفاد بالتوجه نحو إحداث منصة رقمية خاصة برخص حفر الآبار واستغلالها، بهدف تعزيز الشفافية في معالجة مطالب الترخيص ومتابعتها.
من جهتها، أكدت عائدة الجريدي، المكلّفة بتسيير الإدارة العامة للهندسة الريفية واستغلال المياه، أن اعتماد العدّادات الذكية والمنظومات المعلوماتية سيساعد على توفير بيانات محيّنة حول كميات المياه المستغلة بكل بئر، بما يتيح رصد التجاوزات في الآجال المناسبة، ودعم اتخاذ القرار، وتعزيز الرقابة على الموارد المائية الجوفية.
وأضافت أن هذه الآليات من شأنها المساهمة في ترشيد الاستهلاك، والحد من تبذير المياه واستنزاف الموائد المائية، مع ترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في تنظيم عمليات الاستغلال.
شروط الانتفاع بالامتيازات المالية والجبائية
وقدّمت المديرة العامة لوكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية أنجي الدقي عرضًا حول شروط وإجراءات الانتفاع بالامتيازات المالية والجبائية بالنسبة إلى المشاريع التي تستغل آبارًا تمت تسوية وضعيتها.
وتناولت في هذا الإطار النصوص القانونية المنظمة للاستثمار الفلاحي، موضحة أن تقديم رخصة الاستغلال أو بطاقة الاستغلال يكون مطلوبًا عند إيداع مطالب الانتفاع بالامتيازات المالية وصرف المنح والحصول على شهادة الدخول في طور النشاط الفعلي.
كما أشارت إلى جملة من الشروط المتعلقة بالتصريح بالاستثمار وآجال إنجاز المشاريع، التي تقتضي الشروع في الإنجاز خلال سنة من تاريخ إمضاء شهادة إيداع التصريح، واستكمال برنامج الاستثمار في غضون أربع سنوات، مع إمكانية التمديد لمدة سنتين وفق الإجراءات المعمول بها.
النواب يدعون إلى تبسيط التراخيص ومراجعة مجلة المياه
وخلال النقاش العام، شدّد النواب على ضرورة الإسراع بإصدار مجلة المياه، مع تحقيق التوازن بين حماية الموارد المائية ومساندة الفلاحين، عبر حلول تراعي حاجيات القطاع الفلاحي وتضمن استدامة الموارد المائية.
كما أكدوا أهمية حصر الآبار العشوائية وتحيين المعطيات المتعلقة بها لدى الهياكل الجهوية، بما يسمح بإرساء قاعدة بيانات دقيقة تساعد على متابعة وضعيتها وتعزيز الرقابة على استغلال المياه الجوفية.
ودعا المشاركون إلى تكثيف حملات التوعية الموجهة إلى المواطنين والفلاحين بشأن الآثار البيئية والاقتصادية للحفر العشوائي، وضرورة احترام الإجراءات القانونية المنظمة لحفر الآبار واستغلالها.
وفي المقابل، أثار النواب مسألة طول الإجراءات الإدارية وتعقيدها وتأخر البت في مطالب الترخيص، معتبرين أنها من بين العوامل التي دفعت عددًا من الفلاحين إلى حفر الآبار دون الحصول على التراخيص اللازمة. وطالبوا بمراجعة هذه الإجراءات وتبسيطها وتسريع معالجة المطالب، دون المساس بمتطلبات حماية الموارد المائية.
كما تطرّقوا إلى الصعوبات المتعلقة بنقص مياه الري وتأخر تسوية وضعية الجمعيات المائية، وما يترتب عن ذلك من إشكاليات في تنظيم توزيع المياه وضمان النفاذ إليها، داعين إلى إيجاد حلول عملية تستجيب لحاجيات النشاط الفلاحي.
وأكد المشاركون أن تسوية وضعية الآبار غير المرخّص فيها تظل إجراءً انتقاليًا يستوجب استكمال الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، بما يضمن حسن التصرف في الموارد المائية، والحد من الاستغلال العشوائي، والمحافظة على الثروة المائية وحقوق الأجيال القادمة.












