
لم تعد الجرائم المروّعة التي شهدتها تونس مجرّد حوادث منفصلة في نظر الرأي العام، بل تحوّلت إلى مصدر قلق متزايد يطرح أسئلة عميقة حول العنف والجريمة، وأسباب تحوّل بعض الأفراد إلى ارتكاب أفعال بالغة الخطورة، ومدى قدرة المجتمع ومؤسساته على الوقاية منها.
من جرائم «سفاح نابل» التي هزّت البلاد خلال ثمانينات القرن الماضي، إلى القضية التي عُرفت إعلاميًا باسم «سفاح طينة» بولاية صفاقس، وصولًا إلى جريمة مقتل الموظفة أمال الغزواني بجهة جندوبة، تتجدّد الصدمة أمام وقائع تضع مسألة حماية الأرواح والتصدّي للجريمة في صدارة الاهتمامات العامة.
قضية طينة، بما رافقها من معطيات متداولة بشأن العثور على جثث في محيط منزل، أعادت إلى الواجهة مخاوف من الجرائم المتسلسلة، وطرحت تساؤلات بشأن الظروف التي قد تسمح باستمرار أفعال إجرامية خطيرة بعيدًا عن أعين المحيط الاجتماعي. وتبقى تفاصيل القضية ومسؤوليات الأطراف المعنية خاضعة لما تثبته الأبحاث والإجراءات القضائية.
وفي جندوبة، أثارت قضية وفاة الموظفة أمال الغزواني صدمة واسعة، على خلفية ما أُثير بشأن الاشتباه في تورّط زميلين لها في الاعتداء عليها وإلقائها في حفرة. وهي وقائع، إن ثبتت تفاصيلها قضائيًا، تكشف عن خطورة العنف الذي قد يتجاوز حدود الخلافات اليومية إلى اعتداءات تهدّد الحق الأساسي في الحياة.
ولا تقلّ خطورة عن ذلك الجرائم الجنسية التي تستهدف الأطفال والمراهقين، ومن بينها القضية المتداولة بشأن فتاة تبلغ 15 عامًا تُدعى يقين، والتي أعادت النقاش حول حماية القاصرين من الاستغلال والعنف، ومخاطر ارتباط بعض البيئات بترويج المخدرات أو غيرها من الأنشطة الإجرامية.
لكن خلف الصدمة والغضب، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن أن تتطوّر لدى بعض الأشخاص سلوكيات عنيفة إلى هذا الحد؟ وما دور الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي والمؤسسات المختصة في رصد مؤشرات الخطر والتدخّل المبكر؟ وكيف يمكن تعزيز حماية الضحايا وتشجيع التبليغ عن التهديدات والاعتداءات قبل أن تتحوّل إلى مآسٍ؟
إن مواجهة الجريمة لا تختزل في المطالبة بتشديد العقوبات كلما اهتزّ الرأي العام، مهما كانت مشاعر الغضب والتعاطف مع الضحايا مفهومة ومشروعة. فهي تتطلب أيضًا تطبيق القانون، وسرعة إنجاز الأبحاث، ومحاسبة المسؤولين وفق أحكام القضاء، إلى جانب الوقاية من العنف، وحماية الفئات الهشة، ومقاومة المخدرات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية والاجتماعية.
إن خطورة هذه القضايا لا تكمن فقط في فظاعة تفاصيلها، بل أيضًا في ضرورة استخلاص الدروس منها، بعيدًا عن التهويل أو الأحكام المسبقة، ودون تحويل الألم الشعبي إلى اتهامات غير مثبتة أو دعوات تتجاوز ضمانات المحاكمة العادلة.
إلى أين تسير تونس؟
ليس السؤال دعوة إلى الاستسلام للخوف، بل إلى مواجهة أسبابه بجدية ومسؤولية. فحماية المجتمع تبدأ بكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، والإنصات إلى الضحايا، ومعالجة عوامل الخطر، وترسيخ ثقافة ترفض العنف ولا تتسامح مع الاعتداء على الحياة والكرامة الإنسانية.
فكل ضحية ليست مجرّد خبر عابر، وكل قضية يجب أن تكون مناسبة لمراجعة ما يمكن تحسينه في منظومة الوقاية والحماية والعدالة، حتى لا تتكرّر المآسي، وحتى يبقى القانون ضمانة لحق الجميع في الأمن والحياة.



