«هلوسات بهجت»… حين يتحوّل الجسد إلى خشبة، ويكتب الألم حكايته بالفن

ليس الألم دائمًا حكايةً تُروى بالكلمات، ولا المرض مجرّد معركة يخوضها الجسد في مواجهة الأدوية. ففي بعض التجارب المسرحية، يصبح الوجع لغةً موازية، ويتحوّل الجسد من ضحيةٍ للمرض إلى أداة للمقاومة، ومن مساحةٍ للانكسار إلى مختبرٍ للخيال والإبداع. هكذا تفتح مسرحية «هلوسات بهجت» نافذة على عالم تتشابك فيه الحقيقة بالوهم، وتتقاطع فيه هشاشة الإنسان مع قدرته على ابتكار حياة أخرى من قلب المعاناة.

إنها رحلة بصرية ووجدانية تمتدّ على مدى ساعة من الزمن، لا يكتفي خلالها المتفرّج بمراقبة ما يحدث فوق الركح، بل يجد نفسه تدريجيًا داخل أسئلة العمل ومخاوف شخصياته: ماذا لو أصبح المرض جزءًا من يومياتنا؟ كيف يمكن للجسد أن يستعيد صوته حين تثقله الأدوية؟ وهل يملك الفن القدرة على تحويل الوجع من عبءٍ ينهك الروح إلى طاقةٍ تعيد تشكيل الحياة؟
خالد… من أسر المرض إلى حرية الخيال
في قلب الحكاية، يقف خالد، الفنان المسرحي والممثل الذي يجد نفسه في مواجهة «داء بهجت»، وهو مرض التهابي مناعي قد يمسّ أعضاء مختلفة من الجسم. تطول إقامته في المستشفى، ويصبح البحث عن طبيعة مرضه وفهم آثاره الجسدية والنفسية جزءًا من معركته اليومية.

لكن المستشفى، في هذا العمل، ليس مجرّد فضاء للعلاج والانتظار؛ إنه عالم قائم بذاته، تتجاور فيه الحكايات الإنسانية، وتتقاطع فيه مصائر المرضى مع تجارب الفريق الطبي، فيما تتداخل آثار العلاج مع الهلوسات التي تفتح أمام خالد أبوابًا غير مألوفة للوعي والخيال.
ثلاثون حبّة دواء يوميًا، وفق المعطيات التي يستند إليها العمل، تتحوّل إلى تفصيل دالّ على وطأة التجربة العلاجية، وعلى المسافة الدقيقة بين ما يعيشه الجسد وما ينتجه العقل من صور ومشاهد. هناك، يتجسّد الخوف في هيئة سوداء، وتستعيد الحركة شيئًا من بطولات الأبطال الخارقين، وتظهر الحبيبة في فستان زفاف، فيما تطلّ أرواح الراحلين على عالمٍ تتداخل فيه الحياة بالموت، والذاكرة بالهذيان.
غير أنّ خالد لا يكتفي بالاستسلام لهذه الصور، بل يحوّلها إلى مادة إبداعية، وكأنّه يعلن تمرّده الخاص على المرض. فما يعجز عن تغييره في واقعه، يحاول إعادة صياغته في مخيّلته، وما يثقله في يومياته، يمنحه شكلًا آخر فوق الخشبة.

ومن هنا، تتجاوز «هلوسات بهجت» حدود الحكاية الشخصية لتلامس سؤالًا أعمق: هل يستطيع الفن أن يستعيد للإنسان شيئًا من حريته حين تضيق أمامه مساحات الاختيار؟
الجسد بوصفه ذاكرةً للعالم ومجالًا للمقاومة
تستند التجربة إلى تصور فلسفي يجعل الجسد أكثر من مجرّد وعاء للمرض أو وسيلة لأداء الحركة. إنه نقطة اتصال الإنسان بالعالم، والمساحة التي تتراكم فيها التجارب والمخاوف والرغبات، ومنها تنطلق محاولات الفهم والتغيير.
وهنا تستحضر القراءة الفلسفية للعمل أفكار الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي حول العلاقة المتبادلة بين الجسد والعالم، وما يجمعهما من انتماء إلى نسيج الوجود المشترك، أو ما يُعرف بمفهوم «اللحم» في فلسفته المتأخرة.

في هذا الأفق، لا يعود جسد خالد مجرّد جسد مريض، بل يصبح أداة لاكتشاف العالم وإعادة تأويله. فالحركة، والسكون، والانكماش، والانتفاض، جميعها تتحوّل إلى علامات تحمل ما قد تعجز اللغة المنطوقة عن التعبير عنه.
ومن خلال هذه المقاربة، يلتقي أداء خالد بالنص الذي كتبه أشرف الجلاصي، في محاولة لنحت تجربة إنسانية تجعل من الجسد ذاكرةً للألم، ومن المسرح مساحةً لاستعادة القدرة على الفعل.
ركح منقسم بين الحقيقة والهلوسة
بصريًا، يقوم البناء المسرحي على تقسيم الفضاء إلى مستويين متقابلين ومتكاملين في الوقت نفسه.
يمثّل الجزء الأمامي من الركح المجال الواقعي، حيث يعيش خالد تفاصيل يومه داخل المستشفى، بكل ما يحمله من انتظار وقلق وصراع مع المرض. أمّا الجزء الخلفي، فيفتح أبوابه أمام الفضاء المتخيّل، حيث تتحرّك الأجساد وتتشكل الصور، وتصبح الحركة قادرة على إنتاج المعنى دون الحاجة الدائمة إلى الكلام.

وبين المستويين، يمتدّ ممرّ ضيّق أشبه بعتبة عبور، تعبره الشخصيات في انتقالها من الواقع إلى المجاز، ومن العالم الملموس إلى المساحات التي يصنعها الخيال.
إنه اختيار سينوغرافي لا يكتفي بتنظيم الفضاء، بل يحوّله إلى عنصر فاعل في السرد؛ فالمتفرّج لا يتابع الحكاية فحسب، بل يراقب أيضًا تحوّلاتها، ويكتشف كيف يمكن للمكان الواحد أن يحتضن عالمين مختلفين، متداخلين أحيانًا، ومتصادمين أحيانًا أخرى.
الضوء يكتب ما تعجز الكلمات عن قوله
تستكمل الإضاءة هذه الثنائية البصرية، من خلال تباين لوني بين الأصفر الخافت والمثقل في مقدّمة الركح، والأحمر الفاقع في جزئه الخلفي.

لا تبدو الألوان هنا مجرّد اختيار جمالي، بل تتحوّل إلى لغة قائمة بذاتها. فالأصفر ينسجم مع برودة الفضاء العلاجي وضغط الانتظار، فيما يمنح الأحمر العالم المتخيّل كثافته البصرية وانفعاله، وكأنّه يترجم اضطراب الداخل الإنساني حين يشتدّ الألم وتتشابك الصور.
وبين الضوء والظل، تتشكّل علاقة متوترة بين ما يراه المتفرّج وما يتخيّله، وبين الجسد الذي يرزح تحت وطأة المرض والخيال الذي يحاول التحرّر من قيوده.

إنّها كتابة ضوئية تُسهم في توجيه الإحساس، وتمنح المشاهد فرصة للتفاعل مع الحكاية على مستوى يتجاوز الفهم المباشر، ليقترب من التجربة الحسية والنفسية للشخصيات.
الكمنجة… نوتات معلّقة بين الحياة والموت
في «هلوسات بهجت»، لا تأتي الموسيقى لتزيين المشاهد أو ملء الفراغات، بل تؤدي دورًا دراميًا يواكب تحوّلات الحكاية ويعمّق أثرها الوجداني.
ويمنح العزف المباشر على الكمنجة العمل بُعدًا حميميًا، إذ تصبح النوتة الموسيقية امتدادًا لصوت الإنسان حين يعجز عن التعبير، أو حين لا تعود الكلمات كافية لحمل ما يعتمل في داخله.
وتتجلّى هذه الوظيفة في شخصية العازف الذي يرفض تناول الدواء إلى حين وفاته، ويتمسّك بنوتاته الموسيقية كما لو أنّها آخر ما تبقّى له من أدوات المقاومة. يغيب الجسد، لكنّ الموسيقى تظلّ حاضرة، معلّقة في فضاء العرض، شاهدةً على روح قاومت بطريقتها الخاصة.
في هذا المشهد، تكتسب النوتة دلالة تتجاوز الصوت؛ فهي أثرٌ للإنسان بعد غيابه، وذاكرةٌ تقاوم المحو، ودليل على أنّ بعض أشكال الحضور لا تنتهي بانتهاء الحياة.
من التراث التونسي إلى الشطحات الصوفية
منذ اللحظات الأولى، تستدعي المسرحية الذاكرة الغنائية التونسية من خلال أغنية «لو النار اللي كواتني كواتك»، التي تعود في ختام العرض لتؤطّر الحكاية بين بدايتها ونهايتها.
وبين المرتين، تتغيّر دلالة الأغنية في ضوء ما عاشته الشخصيات من خوف وألم وانتظار. فالنار التي تبدو في ظاهرها صورة للعاطفة والاحتراق الوجداني، تتّسع لتصبح استعارة للمعاناة الإنسانية، وللوجع الذي لا يخصّ جسدًا واحدًا، بل يتوزّع على مصائر متعدّدة.

كما يستحضر العمل أغانٍ من الموروث الصوفي، موظّفًا الإيقاع والإنشاد والحركة في لحظات تبلغ فيها المعاناة ذروتها. هنا، يتحوّل الجسد إلى مساحة للانتفاض، وتصبح الحركة محاولة لاستعادة التوازن، أو للتخفّف من ثقل التجربة عبر طقس أدائي يجمع بين الوجدان والإيقاع.
واللافت أنّ خالد، الشخصية التي تحمل العبء المركزي للحكاية، يظلّ في بعض هذه اللحظات منكمشًا في موقع المتلقّي والمراقب، بينما تنطلق الشخصيات الأخرى في حركات جسدية تتجاوز حدود الأداء التقليدي، لتقترب من التماهي بين الجسد والإيقاع.
ومن هذا التباين، ينشأ مشهد يحمل مفارقته الخاصة: جسدٌ يراقب عجزه عن الانطلاق، وأجساد أخرى تتحرّك نيابةً عنه، وكأنّ الخيال يمنحه، ولو مؤقتًا، فرصة لمعايشة ما لا يستطيع بلوغه في واقعه.
حين تستعير المسرحية عين السينما
تحضر اللغة السينمائية بقوة في تشكيل المشاهد، من خلال توظيف حركة الممثل، والتركيز الضوئي على الوجه، والتحكّم في إيقاع الصوت والحركة، وتوزيع الألوان داخل الفضاء.
وتمنح هذه العناصر العرض قدرة على تفكيك اللحظة المسرحية إلى صور جزئية، تقترب أحيانًا من اللقطة السينمائية، حيث يصبح الوجه مجالًا لقراءة الانفعال، وتغدو الحركة تفصيلًا دالًا، ويكتسب الصمت قيمة تعبيرية لا تقلّ عن قيمة الحوار.

لكنّ الصورة، على الرغم من كثافتها، لا تنفصل عن الجسد الحيّ فوق الخشبة؛ فالمسرح يحتفظ بخصوصيته القائمة على الحضور المباشر، وعلى العلاقة المتبادلة بين المؤدّي والمتفرّج. وهكذا تتقاطع الأدوات البصرية مع الأداء الحيّ لتصنع سردية تتجاوز التتابع التقليدي للأحداث، وتقترب من طريقة اشتغال الذاكرة والأحلام والهلوسات.
هل ينتصر الفن على الألم؟
لا تقدّم «هلوسات بهجت» إجابة جاهزة عن قدرة الفن على تجاوز المرض، ولا تحوّل المعاناة إلى حكاية انتصار بسيطة. بل تترك المتفرّج أمام تجربة تتجاور فيها الهشاشة والقوة، والغياب والحضور، والواقع والخيال.
فالفن لا يلغي الوجع، ولا يعوّض العلاج، لكنه يمنح الإنسان وسيلة أخرى لفهم تجربته، والتعبير عمّا يعجز عن قوله، واستعادة شيء من المعنى وسط ظروف قد تبدو أقوى منه.
ومن خلال التقاء النص بالأداء، والسينوغرافيا بالموسيقى، والإضاءة بالصورة، تنحت المسرحية عالمًا يصبح فيه الجسد نصًا مفتوحًا على قراءات متعدّدة، وتتحوّل الهلوسة من علامة على اضطراب التجربة إلى مادة فنية تكشف عن تعقيدها الإنساني.
في النهاية، لا يغادر المتفرّج الخشبة بالضرورة وقد امتلك إجابة عن أسئلته، بل يحمل معه سؤالًا أكثر إلحاحًا: حين يفرض الألم شروطه على الجسد، هل يستطيع الإبداع أن يفتح أمام الروح نافذةً أخرى للحياة؟

«هلوسات بهجت»… تجربة مسرحية تجعل من الوجع لغة، ومن الجسد حكاية، ومن الفن محاولةً دائمة لاستعادة الحياة.
المدينة أف أم | الثقافة ليست خبرًا عابرًا، بل قراءة في نبض الإبداع وأسئلة الإنسان.



