القيروان تستقبل «السما» من قونية.. ليلة صوفية تجمع بين روح المولد النبوي وذاكرة التصوف التركي
من ساحة المغرب العربي أمام مقام سيدي الصحبي.. «المدينة أف أم » تواكب عرض فرقة الموسيقى الصوفية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى بحضور سفير تركيا لدى تونس

القيروان – المدينة أف أم | متابعة وتصوير: سهران الزرلي
في أجواء روحانية وثقافية مميزة، احتضنت مدينة القيروان، ليلة 21 أوت 2026، عرضًا صوفيًا للفرقة التركية «السما»، بساحة المغرب العربي أمام المقام الجليل لسيدي الصحبي، وذلك ضمن فعاليات الاحتفالات الدولية بالمولد النبوي الشريف بالقيروان.
وقد واكب راديو المدينة أف أم هذه السهرة، التي شكلت موعدًا استثنائيًا التقت فيه الخصوصية الروحية للقيروان بتراث التصوف والموسيقى الصوفية القادمة من مدينة قونية التركية، في مشهد جمع بين الإنشاد والسماع والدوران الصوفي، واستحضر عمق الروابط الثقافية والروحية التي تجمع تونس وتركيا.
قونية تحل ضيفة على القيروان
ونُظمت هذه الفعالية بالتعاون بين سفارة الجمهورية التركية بتونس ووزارة الشؤون الثقافية التونسية وجمعية الاحتفالات الدولية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بالقيروان، بمشاركة فرقة تضم 21 فنانًا من فرقة الموسيقى الصوفية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى.
واستُهل العرض بفقرات من الموسيقى الصوفية التركية، قبل أن تنتقل الفرقة إلى تقديم عرض الدراويش الدوّارين، في لوحة فنية وروحية استحضرت تقاليد المولوية وعمقها الرمزي، وسط تفاعل الحاضرين في فضاء ارتبط تاريخيًا بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
ولم يكن العرض مجرد موعد فني، بل كان مناسبة للتعريف بجانب من التراث الروحي والموسيقي لمدينة قونية، وإبراز القواسم الثقافية والإنسانية المشتركة بين الشعبين التونسي والتركي.
سفير تركيا يزور مقام سيدي الصحبي ويقرأ الفاتحة
وشهدت السهرة حضور سفير الجمهورية التركية لدى تونس أحمد مصباح دميرجان، الذي قام بزيارة مقام سيدي الصحبي وقرأ الفاتحة، في مشهد عكس الطابع الروحي الخاص الذي ميز هذه المناسبة.
وفي كلمته بالمناسبة، هنأ السفير التركي الشعب التونسي والعالم الإسلامي بمناسبة المولد النبوي الشريف، مستحضرًا سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما تحمله من قيم الرحمة وحسن الخلق واحترام كرامة الإنسان.
وتوقف دميرجان عند الرمزية الروحية لفن السماع والدوران، موضحًا أن حركة الدراويش لا تعني الانفصال عن العالم، وإنما تمثل حالة من التوازن والبحث الداخلي.
وأشار إلى أن انحناء رأس الدراويش لا يرمز إلى الهزيمة، وإنما إلى الأدب والتواضع والتوجه إلى الداخل، مستشهدًا بالمعنى الرمزي القائل: «عندما ينحني الرأس لا يصغر الإنسان، بل يصغر الكِبر».
كما تناول السفير رمزية حركة اليدين أثناء الدوران؛ فاليد الممدودة نحو السماء ترمز إلى تلقي الرحمة والنعم الإلهية، فيما تعبر اليد الأخرى عن مشاركة ما يتم تلقيه مع بقية المخلوقات، في إشارة إلى أن الرحمة أمانة وليست ملكية خاصة.
وقال إن الدراويش «يعطون الأرض ما أخذوه من السماء»، في تعبير عن فلسفة روحية تقوم على العطاء والتواضع والمشاركة.
«ناي قونية» يلتقي بالروح الموسيقية للقيروان
وفي حديثه عن العلاقة بين قونية والقيروان، أكد أحمد مصباح دميرجان أن هذا اللقاء الثقافي يتجاوز حدود العرض الفني، قائلًا إن «ناي قونية يحل هذا المساء ضيفًا على الصوت الروحي لتونس».
وأشار إلى أن ذاكرة المالوف التونسي ونَفَس الناي الصوفي يلتقيان في فضاء واحد، معتبرًا أن البحر الأبيض المتوسط يحمل نفسًا مشتركًا يصل بين ضفتيه.
كما استحضر السفير شخصية مولانا جلال الدين الرومي، مؤكدًا أن إرثه لا ينتمي إلى جغرافيا واحدة، وإنما يحمل خطابًا إنسانيًا يتوجه إلى داخل الإنسان، ويرتكز على قيم الرحمة والعدل والتواضع والتسامح والمشاركة.
وأكد أن تجربة الرومي تقدم نموذجًا لإمكانية التعايش مع الاختلاف، مشددًا على حاجة العالم اليوم إلى الرحمة، وإلى لغة تحمي كرامة الإنسان، وإلى عدالة تعزز الأخوة، مختتمًا بالتأكيد على مسؤولية الجميع في الحفاظ على «مركز الخير».
علي فيضي أويصال للمدينة أف أم : جئنا من موطن مولانا لنشارك أهل القيروان موسيقانا
وفي تصريح خصّ به Médina FM، أعرب علي فيضي أويصال (Ali Feyzi Uysal)، المنشد والمغني في فرقة الموسيقى الصوفية التركية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى، عن سعادته بالمشاركة في احتفالات المولد النبوي الشريف بالقيروان.
وأكد أويصال أن للقيروان مكانة خاصة بما تختزنه من تاريخ إسلامي وروحي عريق، مشيرًا إلى أن أعضاء الفرقة قدموا من مدينة قونية، «موطن حضرة مولانا»، ليشاركوا أهالي القيروان جانبًا من موسيقاهم وتراثهم الصوفي.
وأوضح أن العرض تضمن أعمالًا مستوحاة من كلمات مولانا جلال الدين الرومي ومن النصوص التي تستحضر سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلى جانب فقرات السماع والدوران الصوفي.
وعبّر أويصال عن أمله في أن تسهم هذه المشاركة في تعزيز الأخوة والمحبة والتقارب بين الشعبين التونسي والتركي، وأن تكون الموسيقى الصوفية جسرًا جديدًا للتواصل بين الثقافتين.
حين تتعانق قونية والقيروان
واختُتمت السهرة بعرض السماع والدوران الصوفي، وسط أجواء روحانية استثنائية، تداخل فيها صوت الناي والإنشاد مع حركة الدراويش الدوّارين، في مشهد أعاد التأكيد على قدرة الثقافة والفنون الروحية على بناء جسور التواصل بين الشعوب.
وفي قلب القيروان، المدينة التي ارتبط اسمها بالمولد النبوي الشريف وبذاكرة روحية ضاربة في التاريخ، بدت قونية حاضرة بتراثها الصوفي، لتلتقي مدينتان من ضفتي المتوسط في لغة واحدة عنوانها المحبة والرحمة والتواضع والسلام.
ومن المنتظر أن تواصل فرقة الموسيقى الصوفية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى برنامجها في تونس، من خلال عرض آخر بالعاصمة، وتحديدًا في المنطقة التاريخية باب سويقة.
المدينة أف أم تواصل مواكبتها للمشهد الثقافي والروحي في تونس، وتنقل لمستمعيها ومتابعيها بالصوت والصورة أبرز تفاصيل هذه التظاهرات، انطلاقًا من إيمانها بأن الإعلام الثقافي ليس مجرد نقل للحدث، بل هو أيضًا مساحة للتعريف بالتراث وصون الذاكرة وفتح جسور الحوار بين الثقافات.
























