
مع التعطيل المُتواصل لحركة الملاحة في الشرق الأوسط، انطلقت ناقلة حاويات كورية جنوبية، السبت، في رحلة تجريبية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في خطوة تعكس الاهتمام المُتزايد بهذا المسار البحري الجديد رغم المخاوف البيئية.
وتأثّرت بشدّة إمدادات البلدان الآسيوية بالمحروقات بسبب الحرب التي اندلعت نتيجة هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران في أواخر فيفري. وترى هذه البلدان في هذا المسار البحري الجديد وسيلة لتنويع خياراتها.
وتأتي هذه العملية بعد أسبوع على انطلاق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر المسار نفسه، في رحلة يفترض أن تدشن خطا منتظما.
وقالت وزارة المحيطات الكورية الجنوبية في بيان: “غادرت السفينة المخصّصة للرحلة التجريبية عبر القطب الشمالي” عند الساعة 9:30 مساء (12:30 بتوقيت غرينتش).
ومن المرتقب أن ترسو السفينة التابعة لشركة “بانستار لاين دوت كوم” المحلية في مرافئ فيليكستاو في إنكلترا وروتردام في هولندا وغدانسك في بولندا قبل أن تعود إلى كوريا الجنوبية. وستستغرق رحلتها حوالي 45 يوما في الإجمال، حسب الوزارة.
“بديل عن مسارات الشرق الأوسط”
وقد يتحوّل هذا المسار عبر الدائرة القطبية الشمالية “بديلا عن مسارات الشرق الأوسط”، وفق ما صرّح به نام جاي-هون، نائب وزير المحيطات في كوريا الجنوبية.
ويقضي الهدف بمعرفة إذا كان ذوبان الجليد في هذه الفترة من السنة يفتح مسارا أكثر قابلية للاستخدام على الصعيد التجاري.
ومع إغلاق طهران عمليا مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين للرحلات عبر البحر الأحمر في ظل الحرب في الشرق الأوسط، باتت حركة الملاحة بين آسيا وأوروبا تمر عبر رأس الرجاء الصالح بجنوب القارة الإفريقية.
وويتيح مسار الدائرة القطبية الشمالية، اختصار المسافة بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة مقارنة بالرحلة عبر قناة السويس في مصر، وبحوالي النصف بالمقارنة مع المسار عبر رأس الرجاء الصالح، وفق ما أظهرت دراسة نشرتها شركة التأمين على الائتمان “كوفاس” في أفريل. وبالتالي، فإن هذا الخيار يتيح خفض التكاليف واستهلاك الوقود وتقصير مدة العبور إلى النصف لتبلغ حوالى 20 يوما.
قيود تحد توسع المسار
لكن دراسة “كوفاس” أظهرت أن 3.5 في المائة فقط من المبادلات بين آسيا الشرقية وأوروبا الشمالية وأمريكا الشمالية من شأنها أن تعتمد فعليا المسار الأركتيكي.
فمن المتوقع أن يوفر هذا المسار ميزة تجارية للمواد الأولية تحديدا، مثل النفط والغاز الطبيعي المسال.
ومن بين القيود التي تحد توسع هذا المسار في نظر الخبراء، اقتصار الرحلات على الفترة بين أوت وأكتوبر مع سفن مصنفة قطبية أصغر حجما من ناقلات الحاويات الضخمة التي تستخدم عادة في الملاحة التجارية.
وبالمقارنة مع سفن الشحن الضخمة، تعد الطاقة الاستيعابية لـ”بانستار أكرو” والسفينة “دبي تاور” لشركة “سي ليجند” الصينية التي انطلقت في 15 أوت من شرق الصين، أصغر بعشر مرات، بحسب ما كشف جيروم دو ريكلي خبير الشحن البحري لدى منصة “أبلي” المتخصصة بهذا الشأن.
وسبق لشركات أخرى في القطاع أن سيرت سفنا عبر الدائرة القطبية الشمالية، أولها مجموعة “ميرسك” الدنماركية سنة 2018، في ظل خصومات جيوسياسية متنامية بين روسيا والصين والولايات المتحدة في المنطقة.
وفي عام 2025، عبرت 23 ناقلة حاويات في المسار البحري الشمالي، وهو عدد قياسي نسبة إلى ما سجل في 2024 مع عبور 15 سفينة، وفق تحليل أجرته شركة التأمين “أليانز كوميرشال” في جوان.
انتهاك العقوبات الغربية المفروضة على روسيا؟
غير أن خبراء يحذرون من أن السفن الكورية الجنوبية التي تعتمد المسار الأركتيكي قد تنتهك العقوبات الغربية المفروضة على روسيا المتحالفة مع كوريا الشمالية في حربها على أوكرانيا، لأنها تستفيد من خدمات روسية بشأن حركة الملاحة والأحوال الجوية مدفوعة الأجر حتى وإن كانت قيمتها بسيطة.
ورأى فلاديمير تيخونوف الأستاذ المحاضر في الدراسات الكورية في جامعة أوسلو، أن “العقوبات الأمريكية والأوروبية لا تندرج على وجه التحديد في سياق القانون الدولي، خلافا للعقوبات المفروضة من الأمم المتحدة”.
وأشار إلى أنّه “في ظل انعدام اليقين المتواصل في الشرق الأوسط، قد لا تجد كوريا الجنوبية خيارات كثيرة إذا ما تبين أن مسار العبور في الدائرة القطبية الشمالية مجدٍ اقتصاديا”.
وتعهّدت شركات غربية عدّة، بينها الفرنسية “سي إم آ-سي جي إم” والسويسرية “إم إس سي” والألمانية “هاباغ-لويد” بتفادي العبور في المنطقة.
ويخشى الناشطون البيئيون أن تؤدي هذه الرحلات التجارية إلى تسريع ذوبان الغطاء الجليدي في المنطقة القطبية الشمالية، ما سيزيد من تداعيات الاحترار المناخي.
وكالة فرانس برس



